أين العقوبة من استغلال النفوذ؟
د. يعقوب أحمد الشراح
تسود المجتمعات النامية والمتقدمة، ظاهرة استغلال النفوذ على الرغم من تباين حدة انتشارها وصرامة القوانين التي تحد منها. ومع أن كلمة «النفوذ» واضحة في معناها إلا أن الكلمة مطاطة تعكس مفاهيم مختلفة عند الناس، فقد يعني النفوذ استخدام السلطة والتسلط بقصد المنفعة، أي استغلال الطرف الذي يمتلك السلطة العامة والوسائل التي بيده وتتصف بالقوة فيستثمرها للحصول على مزايا من طرف آخر، أو الاستفادة من الموارد المتاحة أو غير ذلك. والنفوذ لا يعني دائماً بأنه سيئ كما يبدو من لفظ الكلمة، فقد يكون ايجابياً، أي أن صاحب السلطة العامة قد يستخدم نفوذه لتحقيق المصلحة العامة.
الدول المتقدمة لديها قوانين صارمة تمنع استغلال النفوذ إذا كان الهدف الفساد، وقد تصل العقوبات على مستغلي نفوذهم السجن لمدة طويلة أو دفع غرامات مالية عالية. كذلك قد تنص القوانين فرض عقوبات إضافية كالحرمان من الحقوق المدنية.
ولقد وجد أن الدول النامية من أكثر الدول معاناة من ظاهرة استغلال النفوذ وعدم معاقبة المتهمين، وضعف القوانين التي تمنع الاستغلال أو ارتكاب جرائم كالسرقة والرشوة والاستفادة من المزايا. ومع أن استغلال النفوذ في هذه الدول أصبحت ظاهرة وشائعة لدرجة أن الناس كيفوا أحوالهم معها، ولم يعودا يهتمون بها لغياب الأحكام أو عدم تطبيقها ضد مستغلي نفوذهم نجد على العكس الكثير من الأحكام تصدر ضد المفسدين، خاصة الكبار من أصحاب السلطة والنفوذ في الدول المتقدمة.
وأقرب مثال على صرامة قوانين استغلال النفوذ في الدول المتقدمة الأخبار التي نشرتها الصحف أخيراً عن احتمالات أن يواجه رئيس فرنسا السابق نيكولا ساركوزي عقوبة السجن بتهمة الفساد واستغلال النفوذ. كذلك إدانة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في عام (2011). وكذلك التخلص من حكم الديكتاتوريين الذين استغلوا نفوذهم فاساؤوا إلى شعوبهم من أمثال القذافي في ليبيا، وصدام في العراق، وبن علي في تونس وغيرهم.
وعندما نتمعن في واقعنا فإننا نصطدم باتساع دائرة الفساد من خلال استغلال النفوذ في الأجهزة الحكومية من العاملين والقيادات. بل ان بعض النواب تعرضوا لانتقادات شعبية تطالب بتطبيق العقوبات إذا ثبت سوء استغلال النفوذ. لاشك أن استغلال النفوذ في مؤسساتنا أصبح واقعاً لم يعد بحاجة إلى مداراة أو تجاهل. لكن المشكلة اكبر عندما لا تطبق القانون أمام تدخلات المتنفذين وأصحاب النفوذ، واستمرار حالة التساهل والتجاهل من الأجهزة الحكومية التي جعلت الناس تفقد ثقتها فيها.
ومن الغرابة ان تطالب الناس بتطبيق العقوبات على المخالفين بينما الحكومة تتساهل احيانا من خلال التدخلات في وقف العقوبات على المتجاوزين و المخالفين وعدم التشديد على الاجراءات والاعمال التي تقوم بها، خصوصا في بعض الاجهزة كقاطعات المرور والبلدية، والكهرباء والخدمات الادارية العامة… إن استغلال النفوذ آفة تعكس الفساد في الضمائر وتردي الاخلاق، ولا تتوقف ويتم القضاء عليها إلا باختيار القيادات التي تخاف الله وتحس بالمسؤولية، وتحترم القانون الذي هو الملاذ الآمن لحماية المجتمع من الفساد.

أضف تعليق