من مذكرات «الإنسان» شارون!
| د.فهيد البصيري |
هذه الأيام أنا بعيد عن الشأن العربي فعندما (يلعلع) الرصاص لن يسمعك أحد.
فانصرفت عن الشأن العربي إلى عادتي المحببة، وهي قراءة التراجم والسير الذاتية لمشاهير العالم، علني أجد سبباً واحداً لشهرتهم، وعذراً لخلودهم على صفحات التاريخ.
واليوم أنا منهمك في قراءة مذكرات الرئيس الإسرائيلي السابق (أرييل شارون)، أو (ايريك) كما (يدلعه) أصحابه، وشارون لمن فاته أن يعرفه، هو ألد أعداء العرب وأكثرهم قساوة، وما أن تتذكره، حتى تتذكر المجازر الإسرائيلية بحق العرب والفلسطينيين خصوصا، والتي مازالت تعيش في ذاكرتنا القريبة.
ومع ذلك فإن في قراءة مذكرات هذا العدو اللدود فوائد جمة، وأقلها أن نعرف كيف يفكر القادة الإسرائيليون وكيف ينظرون إلينا ويتعاملون معنا، ثم كيف هزمونا مع أن الشعب المصري بمفرده كان يستطيع أن يهزمهم مشيا على الأقدام!، وبالمرة هي فرصة لرؤية التاريخ من الجانب الآخر، بعد أن مللنا قصص التزوير الخرافية التي تغص بها الكتب العربية عن تفاصيل الحروب العربية الإسرائيلية.
ويقول (إيريك شارون) إن ما يقتل الإسرائيليين رعبا هو عددنا والتفافنا حول قوميتنا،(رحم الله أيام القومية العربية) وكأنه يقول إن قدر الإسرائيليين أن العدو أمامهم والبحر خلفهم، وكان هاجسهم في البداية هو حماية أنفسهم، وأراضيهم المكتسبة نتيجة تقسيم عام 48 فقط، ولما وجدوا أننا لا نستحق ما لدينا، ولا نستطيع الدفاع عنه، أخذوا سيناء، والجولان، والضفة الغربية عام 1967.وعذر شارون في ذلك أنهم يريدون تأمين حدودهم، وليس أمامهم إلا أن يحتلوا الدول المجاورة بالمرة!
وتصوروا أن هذا الوحش وبحسب مذكراته، ليس سوى وحش وديع، وانسان متفانٍ في عمله، ويقطر إخلاصا لدولته إسرائيل، وكل ما عمله هو المحافظة على سلامة اليهود عن طريق سياسة الردع والانتقام الوحشي فقط!، فإذا قُتل مواطن يهودي، قتلت فرقة شارون «درزن» من المواطنين العرب!، فالدم اليهودي ليس رخيصا، وهناك خوف أزلي من حدوث هجرة معاكسة من إسرائيل، وليس هناك حل من وجهة نظره سوى بالردع والانتقام، على أمل أن يجعل العرب يعيدون التفكير آلاف المرات قبل أن يقوموا بأي عملية ضد إسرائيل.
ولكن اليهود في النهاية يبقون يهودا ولو على بعضهم، ويقول شارون، إن موشي ديان لم يكن سوى قائد انتهازي، فإذا كان هناك نصر، فهو أبوه، وإذا كان هناك هزيمة فليس منه، وعلى ذمة شارون فإن بيغن أصيب بانهيار عصبي قبل حرب الأيام الستة، وتصوروا أن هؤلاء المجرمين الخطيرين خططوا لهزيمتنا مع أن احدهم لا يطيق النظر في الآخر!، ولكن كان يجمعهم حب عدواتنا.
المهم أن شارون الأديب، والإنسان البسيط الذي لم يقتل سوى بضعة آلاف فقط، نشأ في مزرعة متواضعة، ومن أب فلاح، وأم لم تكمل تعليمها في كلية الطب، وعاشت متحسرة على شبابها الذي قضته كربة منزل فاضلة، ويقول شارون المتواضع «إنه فرح فرحا شديدا عندما وجد شقة بالكاد تكفيه وزوجته الأولى في تل أبيب -فهو لم يكن كقادتنا مرفها-، ويسرد شارون قصة المهاجرين الأوائل، وكيف أن أمه وأباه من أصول روسية، وجاءا إلى فلسطين هروبا من المذابح هناك، وكيف أن المهاجرين يجدون صعوبة في التواصل بينهم، ولا يخفي شارون طبيعة الخلطة الغريبة التي يتكون منها المجتمع الإسرائيلي وكيف أن لغة الإشارة هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بينهم قبل أن يتقنوا العبرية!
والمذكرات تقع في كتاب كبير، وفيها من الحقيقة بقدر ما فيها من التجميل والتزييف، ولكنها مفيدة بكل المقاييس، فالكتابة تفضح الكاتب مهما كان كتوما، ولكنني أقول، لو أن شارون حي اليوم. أظنه سيغير استراتيجية الانتقام التي عاش عليها وبسببها، ولسبب بسيط هو أنه لم يعد هناك خوف من العالم العربي، وربما سيرق قلبه وسيخاف عليه، وسيختار استراتيجية الحفاظ على الجنس العربي من الزوال، بعد أن أصبحت استراتيجية القتل والانتقام هي الاستراتيجية الوحيدة السائدة بيننا هذه الأيام.
Fheadpost @gmail.com

أضف تعليق