أقلامهم

بقلم.. يعقوب الشراح
الأزمة الصامتة للنظام التعليمي (1)

في عالم يسود فيه الصراع، والغلو في الفكر والتطرف تواجه الدول مختلف التحديات التي تزيد من الأمور تعقيداً، فهناك نماذج واقعية لمدى معاناة الإنسان بسبب المآسي الناتجة من النزاعات والحروب الأهلية، أو بسط النفوذ وعدم المساواة بين الناس، والتفرقة بينهم على أسس العرق والدين والقبيلة والطائفة.
ظواهر كهذه تزداد في المجتمعات الفقيرة أو النامية حيث البؤس والجهل والأمية، وقلة فرص التعليم. فلا غرابة أن يعاني الأفراد في هذه المجتمعات من مختلف أنواع التخلف رغم حاجتهم إلى العمل، ومساهمتهم في التنمية، وتحسين مستوى معيشتهم. واقع كهذا يؤكد عليه علم الاجتماع من أن سوء الأحوال المعيشية في ظل غياب التعليم أو تخلفه يؤدي إلى أزمات سلوكية ونفسية ونزاعات قد تتحول إلى مخاطر شديدة تنعكس على المجتمع.
لذلك فإن التعليم ميدان شديد التأثير في التنمية البشرية، وبالتالي في التنمية العامة، بل إن المؤسسة التعليمية لها وظائف مختلفة في التنمية العامة مثل ترسيخ مفاهيم الأمن الوطني في نفوس الناشئة، وتعزيز القيم في ذواتهم، والمساهمة في تطوير المجتمع، ولا شك أن مدى تأثير التربية في هذه الجوانب تتباين من نظام لآخر، والتركيز على جانب دون آخر يعتمد على الأهداف والسياسات. فالرأسمالية مثلاً جعلت النظام التعليمي مجالاً لتحقيق أهدافها في إعداد البشر لخلق اقتصاديات رأسمالية تعتمد على العلم والتقنية والمهارات من دون التركيز على القيم وتعاليم الدين أو الموروثات، بينما نلاحظ في دول أخرى يزداد الاهتمام بالجوانب القيمية والتراث أكثر من التركيز على علوم العصر والصناعة، لكن التركيز على جانب دون آخر لا يعني إطلاقاً أن الغالبية من الدول لا تهتم بخلق قدر من التوازن بين مختلف الاتجاهات التي توفر لها التقدم.
إن ما يعنينا في كل ما ذكرناه هو التأكيد على أن بناء السلوك الإيجابي لا يتحقق من دون الأخذ بشمولية الأهداف في التعليم وعدم انحراف السياسات عن هذه الأهداف، فالتكامل بين المعرفة والقيم والمهارات ضرورة لبناء الشخصية المتكاملة، والتقصير في جانب منها يؤدي إلى مشكلات تظهر عادة في نواتج السلوك التي تعكس الخلل في العلاقة بين الفرد والدولة.
يشير الواقع الميداني للتعليم، والدراسات التربوية المحلية والخارجية، وكذلك توصيات المؤتمرات أننا نعاني شيئاً من الاختلال في علاقة الفرد بالدولة. فالثراء لا يعني الاستقرار في كل الأحوال في ظل العوامل المختلفة المؤثرة في علاقة الفرد بالدولة.
إن اهتمام المؤسسة التربوية للنهوض بعلاقة الفرد بالدولة لا يرقى إلى المستوى المأمول، فالاختلافات في مخرجات التعليم كثيرة تتطلب بحثاً طويلاً. هناك مشكلات معروفة على الساحة التعليمية تؤثر سلباً في تحسين جودة التعليم والاستثمار الفاعل لما هو متاح من موارد، فنحن مازلنا لا نعرف العلاقة الرياضية بين مدخلات التعليم ومخرجاته رغم كثرة الحديث عن قياس مستوى الأداء والإنتاج، والانتقادات الموجهة لجودة التعليم من أجهزة مختصة بالتطوير مثل «المركز الوطني لتطوير التعليم» الذي يحتاج إلى تطوير أساليبه، ودراسة المعوقات التي تحد من نشاطه، فلا يكفي التنظير بقدر الاهتمام بإحداث تغيير مفيد على أرض الواقع تتعاون فيه الأطراف المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ، وتكون على قناعة بأهمية التغيير.
والأمل لا ينتهي أمام الرغبة في إحداث نقلة نوعية في التعليم تحقق جودة لا تقل عما هو حاصل في أنظمة التعليم المتقدمة، وخاصة التطورات المذهلة التي حدثت في دول جنوب شرقي آسيا مثل سنغافورة وماليزيا وغيرهما والتي تعتبر اليوم نماذج واقعية لكيفية حدوث النجاح الذي تحقق في إطار شراكة المجتمع والمسؤولية التضامنية تجاه التعليم.
إن النهضة التعليمية لن تكون مستعصية مادمنا نمتلك القدرات والموارد التي تجعلنا أكثر تمكناً في تحقيق النجاح، وجعل النظام التعليمي لا يقل مستوى وجودة عن كل ما حدث في الدول الأخرى، فلابد من الإصرار والقناعة في أن التعليم أساس لتطوير المجتمع، وهو الملاذ السليم للخروج من التخلف ودوامة الصراع الذي يفتت عزائمنا وقدراتنا على التحول والتقدم.
yaqub44@hotmail.com