الدول الغربية التي تتغنى بالديمقراطية، والتي أشادت بثورات الربيع العربي، بل ساهمت بأشكال مختلفة في دعم بعضها ما أثمر عن الإطاحة بأنظمة بعض الدول العربية ومنها ليبيا التي كان لحلف الناتو الدور الأبرز في إنجاح ثورة الليبيين في الإطاحة بالراحل المخلوع معمر القذافي، يبدو أنّها خالفت نهجها من خلال التعامل بأسلوب القمع الذي استنكرته هي في ثورات الربيع العربي.
وبأسلوب آخر، فإن موقف الإعلام والسياسيين الغربيين من الاحتجاجات ليس موحدا، فتلك الحكومات الأوروبية التي رحبت بالربيع العربي وعبرت عن دعمها له لم تتوان عن قمع “ربيع بلادها”، من اليونان الى روسيا الى الولايات المتحدة، كذلك فإن وسائل الإعلام التي لهثت وراء الربيع العربي لم تكترث كثيرا للمظاهرة التي نظمت في لندن احتجاجا على نتائج الانتخابات في الكونغو الديمقراطية.
فبنظرة إلى حركة «لنحتل وول ستريت» ـ كمثال ـ التي بدأت احتجاجاتها للتعبير عن غضبها من بعض القضايا الاقتصادية والسياسية، ومن ثم نصبت المخيمات في جميع أنحاء الولايات المتحدة بهدف إلقاء الضوء على الجرائم التي ترتكب في وول ستريت، تم مواجهتها بأساليب متنوعة من القمع حيث قامت الشرطة بالقبض على بعض المتظاهرين في ما لا يقل عن ست ولايات
ومن ثم قامت جماعات حقوقية برفع دعاوى قضائية نيابة عن المتظاهرين، لكن رجال الشرطة الذين يحملون دروعا وهراوات تابعوا قمعهم باقتحام مخيمات بعض المتظاهرين وهم نيام في مدينة نيويورك، واعتقلوا 200 متظاهر ونصبت حواجز حول منتزه «زوكوتي بارك» الذي شهد اندلاع الشرارة الأولى للاحتجاجات. وقال أحد ضباط الشرطة: «إننا نقوم بتطهير هذه المنطقة»، ولكن المتظاهرين هتفوا قائلين: «إنها منطقتنا».
ويتطور الأمر حين يلجأ معتصمو “وول ستريت” في العاصمة الأمريكية واشنطن إلى مبنى الكونجرس للمطالبة بإجراء إصلاحات اقتصادية، ويبدأ اقتحام المعتصمين مبنى الكونغرس متوجهين إلى مكتب رئيس مجلس النواب جون بينر وإلى عدد من مكاتب الأعضاء الآخرين، وحينها تتعامل الشرطة الأمريكية بلطف مع المحتجين، لكنها تلقي القبض على أحدهم في مكتب عضوة في مجلس النواب.
المحتجون الذين قالوا إن الشركات والبنوك الغنية والكبرى في الولايات المتحدة تهيمن على قدر كبير من الثروة والنفوذ. ما زالوا يتعرضون لضغوط من اجراءات من مسؤولين محليين يسعون لازالة مخيمات اعتصام في أماكن عامة.
ومن ثم فإن الوجه الذي ظهر على غلاف مجلة “تايم” ليرمز إلى “المتظاهر” الذي اختارته المجلة ليكون شخصية العام والذي كان وجه امرأة بلا ملامح محددة، قد تكون من مصر أو من نيويورك، لا بد أن يمتد تفسيره إلى كل داعٍ للحرية والتخلص من القمع في جميع أنحاء العالم، ذلك أن الاحتجاجات التي أطاحت بأنظمة وغيرت الكثير كانت من فعل جماهير بلا قيادة محددة الملامح، وإن كان وراء تلك الصورة التي تفتقر الى ملامح محددة أشخاص بملامح شخصية يتعرضون لصنوف القمع من الاعتقال أو التعذيب أو حتى للقتل.


أضف تعليق