وطن مشوي على فحم السنة والشيعة
علي المسعودي
«الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة في عصور التراجع الفكري للمجتمعات»
(ابن خلدون)
عندما تُزاوج بين العلم المنقول والعلم المعقول تكتشف أن فطرتك السليمة قادرة على الفرز بين ما هو خيالي وما هو واقعي، بين خبر يراد به وجه الله، وآخر يراد به إغاظة الطرف الآخر.
فعندما يقول البعض إن رسول الله عليه الصلاة السلام قال لمعاوية رضي الله عنه: أنت تزاحمني (أو تسابقني) على باب الجنة، سيتضح لكل ذي عقل أن خبرا من هذا النوع هو افتراء، القصد منه إغاظة أطراف لا تحب معاوية، وعندما يقول غلاة من الطرف الآخر إن رسول الله عليه السلام كان يخطب فقام معاوية من الخطبة يمسك بيد ولده يزيد، فقال النبي عليه السلام: «ملعون القائد والمقود».. فالكذب في هذا الخبر لا يحتاج إلى إعمال كثير عقل، لأن معاوية إن لم يجلسه دينه سيجلسه دهاؤه. لكن الضرب المتبادل يقتضي التزوير.
وفي وطن جميل وأنيق ومريح تآلفت فيه أطياف المسلمين بكل فرقهم من سنة وسلف، وإخوان وتبليغ وشيعة جعفرية وإسماعيلية وبهرة، وكذلك مسيحيين كاثوليك ومسيحيين أرثوذكس، وسيخ، وبوذيين، وملل ونحل استوعبها الخير الوفير في ديرة الخير، فاستطاعت أن تتعايش بسلام.. ضاقت بعض صدور الغل، ووجدت أذرع دول التوسع والعبث من يتبنى نهجها فلعبت لعبتها.
ولم يبق من مسرحية التأجيج الطائفي إلا مشاهد قليلة فقط.. لتكتمل الأحداث تماما، وتصل العقدة التمثيلية إلى ذروتها المتوقعة. الأطفال أصبحوا مشغولين مثل الكبار بتصنيف مذاهب زملائهم في الصف المدرسي، ومذاهب المدرسين والمدرسات..
مراهق يضع «ستيكر» في ممر مستشفى يثني مضمونه على رمز ديني.. فيمر من بعده شخص من الطائفة المقابلة، فيشرخ بالمسمار اسم الرمز،
ويتشوه المبنى!
وفي ظل سكوت أهل الرأي والحكمة وتغافلهم أو عدم استيعابهم لحجم الكارثة الاجتماعية والدينية والأخلاقية.. يكبر دور الصغار فيتلقفهم الإعلام الباحث عن تفعيل مسجاته في القناة أو زيادة الفلورز في تويتر أو المتصفحين في المواقع، فتجار الكوارث وجرذان السفن الغارقة ينشطون في أوج الفتن!
وها قد انسحب جيش «العمام» العرمرم من البلد المجاور بعد أن ملأ الـ «يوتيوب» بفيديوهات جنوده وهم يغتصبون – في السجون – نساء المسلمين، ويعبثون بهن عاريات وهم يضحكون، فأهلا بنارهم التي يعرفون جيدا كيف ومتى يؤججونها، فالسيناريو مكتوب ومعروف.. علبة متفجرة أمام حسينية، وسيارة مفخخة أمام مسجد.. ويبدأ المهرجان!!
وستفرح بعض الآسيويات بمارينز ممشوقين يوفرون لهن حبا وحماية في الوقت ذاته، فمن حق «العمام» أن يعشقوا في الهواء الطلق، ولن يكون للقانون مهمة سوى العزوف عنهم أو العزف لهم!
الحريق الآن هو في أطراف الثوب.. لكن الخبراء يتقنون إضرامه في جسد الوطن..
وبعدها.. لن تجدي عمليات التجميل نفعا..
فمن يحفظ وجه الوطن الفاتن من أن تمسه النار؟

أضف تعليق