أقلامهم

صالح الشايجي:الحقيقة امرأة نحبها ونخشاها

إلى الوراء در..خمسة وأربعين عاماً! 
 
صالح الشايجي

 


الحقيقة عورة بيضاء.. وامرأة نحبها.. ونخشاها..
نشرة أخبار حزينة.. عمرها خمسة وأربعون عاما..
خلّدنا المهزومين.. ولم تخلد إسرائيل المنتصرين..
متى يتخلص العرب..من حالة صنمية الفرد؟
الحقيقة.. امرأة
الحقيقة نصفها مصنوع.. ونصفها مسموع..


يرويها لسان كذوب..وتسمعها أذن مخدوعة..ويصدقها الحالمون..


فيا أيّها الساعي إليها..أوقف سعيك..فما أنت إلاّ قاصدٌ سرابا..وباحث عن وهم يضحكك ساعة ويبكيك دهرا..


سعيك إلى الحقيقة.. كذبة أنت تصنعها لتوهم نفسك أنك مصدقها.. ولتكون حقيقتك وحدك..


أنت تراها كذلك..أنت وحدك تراها حقيقة..بينما غيرك لا يراها كما تراها أنت..


ليس هناك حقيقة ثابتة مطلقة.. يجمع الجميع عليها..


لأن الحقيقة خاصة بمن يصنعها.. كالفتوى تلزم من يطلبها وحده ولا تسري على من لم يطلبها..


الحقيقة عورة بيضاء..الكل يتباهى ببياضها.. وينسى أنها عورة..


الحقيقة كالمرأة.. نحبها ولكن نخشى الاقتراب منها.. حتى لا تجرحنا أو تحرجنا..


***


نصيحة


«المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار»


فيا أيها المصريون..


لا تستجيروا من رمضاء «شفيق» بنار «مرسي»..


***


عودة إلى الوراء 


كنت منشغلا في أمري.. ومنصرفا إلى مشاغلي..وفجأة شدّني ما سمعته أذناي صادرا من التلفزيون.. فأحسست فجأة بأنّ ما سمعته.. يسحبني خمسة وأربعين عاما إلى الوراء.. وإلى زمن ولّى وانصرف وانقضى وأخذ معه سنين من عمري لم أكن أحسبها كذلك لو لم أسمع ما سمعت من التلفزيون..أما الذي سمعته وجذبني إليه وأعادني إلى الوراء خمسة وأربعين عاما فهو خبر طائر لم يمكث في لسان قائله سوى ثوان معدودات..كان ذاك الخبر يقول.. «تمر اليوم الذكرى الخامسة والأربعون للنكسة»!


فجأة وبعدما سمعت ذلك الخبر طرت طيرانا عكسيا إلى الوراء خمسة وأربعين عاما..


عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم 5 يونيو1967 ـ وأظنه كان يوم اثنين ـ كان يوما موعودا.. وكنا نترقبه ترقب العذراء الوجلة لمن يطرق باب قلبها ليطير بها على حصانه الأبيض مجتازا بها آفاق الفرح.. أو هكذا خيّل لها.. وكان يوما مسطورا على قائمة الانتظار في قلوبنا..


إنه يوم البشارة..يوم النصر الموعود.. يوم الخلاص.. ويوم ينتصب فيه الحق وينهزم الباطل (إن الباطل كان زهوقا).. يوم ينتصف فيه العرب من «اليهود»..ويعود فيه الفلسطينيون إلى فلسطينهم.. وإلى بيوتهم وأرائكهم وركوات قهوتهم وزهر برتقالهم..


إلى كرمات عنبهم الناظرة بجفن مكسور يوم العودة..


***


هكذا كان ذلك الحلم المزروع الذي لا يصدّقه ولن يصدّقه أبناء الجيل الحالي ولا أبناء أجيال سبقتهم ممن لم يعيشوا قبل ذلك اليوم الموعود.. ولم يكبروا وينشأوا على رنين الوعود المجلجلة بإزالة «دويلة العصابات الصهيونية وإلقاء اليهود بالبحر»..


هكذا كان الخطاب التعبوي الحماسي الذي زرع في قلوبنا ـ نحن شبان ذلك الزمان ـ حدائق الأمل الذي لم نكن ندري أنه أمل كذوب.. وسراب مخادع.. جرينا وراءه بلهاثنا المتواصل الذي أتعب قلوبنا وأنهكها.. ولكنه لم يفت في عضدنا ولم يقتل وردة واحدة من تلك الورود المزيّنة حدائق أملنا..


فهل من يلومنا ونحن نسمع تلك الوعود من زعيمنا وقائدنا والبطل الذي عقد له النصر في كل خطوة يخطوها.. والرجل الذي جاء مخلّصا وناصرا وكاتبا صفحات المجد المطوية والذي سترى على يديه الأمة الشمس لأول مرة والذي سيزيح سدف الظلام.. ليضعنا تحت الشمس تلفنا خيوط أشعتها لتحيك لنا أثوابا عصية على الظلام!


كان ذلك القائد البطل المخلّص المنصور المنتصر اسمه «جمال عبدالناصر» رئيس الجمهورية المصرية.. ثم «رئيس الجمهورية العربية المتحدة» ـ وهذا الاسم الطارئ..ليس له في الواقع من نصيب.. فقد كانت جمهوريتان متحدتان هما الجمهورية السورية والجمهورية المصرية.. وفي توحدهما من فبراير 1958 إلى سبتمبر 1961 تم إطلاق اسم الجمهورية العربية المتحدة على ذلك الكيان الوحدوي الناشئ.. ولكن بعد انفصام عرى ذلك الاتحاد الواهن الضعيف لم يعد من مبرر لبقاء الاسم.. ولكن إرادة الزعيم فوق إرادة الواقع.. وطموح الزعيم في أن يكون زعيما للأمة وألاّ يكتفي بزعامة بلده وشعبه.. هو الذي أبقى هذا الاسم الخالي من المضمون حتى وفاته.. رئيسا لجمهورية غير متحدة ولكنه أبقاها متحدة في اللفظ متفككة في الواقع!


ليس هذا مهما.. المهم إرادة الزعيم.. وبغيته ورغبته.. فرغبات الزعيم وأهواؤه..أهداف سامية تلهث الأمة لتلبيتها وتتسابق شعوبها لتحقيقها.. فما دام الزعيم سيحقق النصر ويأتي بفلسطين ممهورة بخاتم التحرير..


وسيوزع مفاتيح بيوتها على أهلها.. فما الضير في أن تكون الأمة خادمة لرغبات الزعيم.. ساعية إلى تلبية أوامره!


***


وهكذا كان حتى ذلك اليوم الموعود.. يوم 5/6/1967 فحين دُقت طبول الحرب يومذاك.. رقصت عذراواتنا وزغردت نساؤنا وخرجت جميلاتنا بزينتهن طروبات مائسات بقدودهن المياسة اللدنة الخيزرانية.. فليس مثل ذلك اليوم من يوم.. إنها حلاوة النصر.. فما بعد اليوم يدّخرن جمالهن.. ويضنن بقدودهن المياسة على العيون..


لمثل ذلك اليوم الطهور أعددن الوشاحات البيض ليتشحن بها..


فامتلأت أرض العرب بالبياض المتلبس بياضا. .وبالأزهار تُنثر من حدائق الأمل.. تملأ الطرقات وتنهال من الشرفات.. وخلعت كل ذات سواد سوادها..وشرعت تلتحف بياضا زهريا ناثرا عطره على السابلة من القوم الغاوين..


ولم تكن سويعات النصر الموهوم.. إلاّ كذبا أحمر.. وداهية سوداء..فخرست أبواق النصر فجأة وكأنما هي حشيت ترابا..أو غصت بدم مراق.. شرقت به حتى الموت!


كان النصر كذبة..


وكان الوعد كذبة..


وكان البياض كذبة..


وكان الزعيم كذبة..


وكانت الهزيمة..هي الحقيقة الوحيدة!


***


ولكن بقي الزعيم زعيما حتى الموت.. وبعد الموت أيضا..


لأن الزعماء ـ عند العرب ـ لا يموتون ولا ينهزمون..


خالدون مخلدون..


عارهم أبيض..


ونقائصهم من مكارم الأخلاق التي تلقن للناشئة..


وخطبهم تنقش بماء الذهب وتحنط..وويل لمن لا يحفظها أو يقبّلها ويدسها في صدره لنيل البركة.. ويتمسح بها علّ شيئا من روح الزعيم تطوف عليه فتنثر عليه رذاذا من تلك الزعامة الخالدة.. وتُبقي فيه شيئا من روح الزعيم..


***


بينما الأمة المنتصرة (إسرائيل) والتي تمكنت بفضل «زعيمنا الخالد» من ان تحتل ـ إضافة إلى فلسطين ـ الضفة الغربية والجولان وسيناء ـ لم تخلّد زعيما ولم تمجّد منتصرا ولم يدبج شعراؤها القصائد في بطولات القائد ومدح الزعيم.. ولم يقل قائلهم لزعيمهم «قتلناك يا آخر الأنبياء»..


مثلما قال قائلنا في زعيمنا المهزوم بعد موته.. وليضعه في مرتبة الأنبياء..


وذلك لسبب واضح شديد الوضوح.. وهو أن الدول لا يقودها زعماء بل يقودها ساسة تزكيهم شعوبهم.. يأتون ليؤدّوا أدوارا سياسية ثم يمضون إلى حال سبيلهم..وينتهي الأمر عند هذا الحد المحدود..


فليس لأولئك الساسة قامات ممتدة على المدى البعيد والأبدي كما هو الحال عندنا..ولا ظل لهم يدوم على الأرض.


وهكذا انتهى «بن غوريون» و«غولدا مائير» و«موشي ديان».. وكل الذين بنوا إسرائيل على الباطل.. ولم يخلدهم أحد بعد مماتهم ولم يمتدحهم أحد في حياتهم..


ولكي يؤمن كل من في قلبه ذرة شك أو شيء من وسوسة الخناس..بخطأ تعظيم السياسيين وجعلهم زعماء..فإن عليه أن ينظر إلى ما يجري في سورية الآن وما جرى قبلها في تونس ومصر وليبيا واليمن.. فكل تلك الحروب الطاحنة والأرواح المزهوقة وأنهار الدماء الجارية.. سببها ان هناك «زعيما».. لابد من الموت في سبيله!


فما الذي تفعله الجيوش في تلك الدول المذكورة.. سوى ان تُبقي على الزعيم الذي صارت البلاد وأهلها ملك يمينه، ولابد من الموت في سبيله حتى يبقى زعيما وقائدا! وأن كل ما يحدث هو مؤامرة للقضاء على الزعيم!


ولكن لو كان هذا «الزعيم» المزعوم قد جاء إلى سدة الرئاسة عن طريق القنوات المعتادة ليتسلم رئاسة بلده كـ «رئيس للجمهورية»..لا كزعيم خالد باق أبد عمره حتى يكبر ولده ليتلقف الزعامة منه.. ما كان قد حدث ما حدث في تلك البلدان وما كانت انهار الدماء قد جرت ولا تلك الأرواح قد ازهقت!


***


وكم يحزنني وأنا اليوم اطل على حافة نهاية العمر.. حين أرى شبانا نضرين بلغاء فصحاء فطنين مثقفين وعلى درجة من الوعي والفهم والاستنارة.. وهم يخلّدون الزعيم ويذكرون مآثره.. ويلوكون حكي العجائز.. ويسطّرون تلك المحفوظات عن غيب وغيبة عقل مع الأسف.. فمازال أولئك الشبان عبيدا لسطوة الزعيم وتعاليمه حتى بعد موته!


***


لابد أن تتحرر العقول من سطوة الفرد وتخليده وتعظيمه وتمجيده.. ولابد من الإيمان بأن من يحكم البلاد يحكمها كسياسي يؤدي دورا محددا.. لا كزعيم تنهال عليه شآبيب القدسية والتبجيل والتعظيم والتخليد والتحنيط..


لابد من إنهاء حالة صنميّة الفرد.. وصناعة الديكتاتور وإضفاء القداسة على رئيس الجمهورية أو الحاكم..


ولابد قبل ذلك من تحرير العقول من الأوهام والخرافات.. ولابد من الإيمان بالواقع والتفاعل مع معطيات الحياة بواقعية وبعيدا عن التوجيه المستتر والشك في كل شيء والاعتقاد الذي يتلبس السواد الأعظم من أبناء هذه الأمة وشعوبها.. بوجود مؤامرة تحاك ضد أمتهم.. وأن أمم الأرض كلها تتكالب عليهم لتنهشهم.. ولكنهم لن يستسلموا وسيقاومون ولسوف ينتصرون.. في يوم قريب.. وهاهم يرون تباشير النصر!


هذه الخرافات تنسج خيوطها لتؤسس بيوتا لها.. وتعشش في رؤوس العرب منذ عشرات السنين وربما مئاتها.. ومازالت تُتوارث من جيل إلى جيل..


***


أكتب ما أكتب من قلب محروق.. ولا أكتب شماتة في أحد.. ولا تجنّيا على أحد.. ولا رجما لعظام.. أكلها دهرُ موتها فصارت طحينا من تراب..


أكتب ملفوفا برداء الحزن الأسود.. على أمة أنتمي إليها.. ولست ناكرا أو متنكرا لها.. ولكن يحزنني أنها أمة تنساق وراء الخرافة ويعبث في عقول أبنائها..وفي مصيرها.. الأدنياءُ من أشرار الخلق..والأذلاّءُ والمغرضون وذوو الهوى والغوى والضلال.. فتصدقهم وتتبعهم حتى وهم يقودونها إلى هلاك محتوم.


***


إنّه جرس الذكرى يقرع في أذني.. فيرتجف مع دقاته قلبي..وتغشاني حالة من بؤس ويأس وحزن مقيم.


إن الحزانى لا يشمتون.. وإنّي لمن المحزونين!