أقلامهم

عبدالهادي الجميل: الأغلبية تحتاج إلى لغة جديدة .. فهي الآن أمام مشروع بناء دولة حديثة

ضحك كالبكا
أمّا السماء وأمّا الحُفر!
كتب عبدالهادي الجميل
 
طرأت على بالي البارحة نكتة الشاب الذي شاهد مجموعة كبيرة من الناس يتحلّقون حول شيء ما في الطريق، فقام بمزاحمتهم وشق طريقه بينهم، فوجد حفرة واسعة وعميقة جدا مليئة بالماء، وبداخلها فتاة تكافح الغرق وتستغيث دون أن يبادر أحد من الموجودين بالقفز إليها لإنقاذها، وما هي سوى بضع ثوان حتى كان الشاب يغطس داخل الحفرة وينقذ الفتاة ويخرج بها وسط هتاف وتصفيق الجماهير الصاخبة المحتشدة التي لم تسمع الشاب وهو يصرخ «من ابن اللذينا اللي دزّني بالحفرة؟»!!
نجح الشباب الوطني في “دز” قطار المعارضة نحو سكة الإصلاح أخيرا، فاستجابت كتلة الأغلبية للمطالب الشبابية وأصدرت يوم الاثنين الماضي بيانا حاسما يحمل في طيّاته وعودا وآمالا تبشّر بإمكانية بزوغ شمس الدولة الدستورية الحديثة.
أوّل تحدّي ستواجهه الكتلة، لن يصدر عن الخصوم والأعداء، ولكن سينبع من البيان نفسه، ويتمثّل في كيفية تحويله من برنامج انتخابي إنشائي كما هو الان إلى مشروع سياسي حقيقي، سيغيّر-إن نجح- وجه الكويت والمنطقة بأسرها.
هذا الأمر لن يكون سهلا أبدا، فمشروع إصلاح جذري وعصري كهذا لا بد أن يواجه الكثير من العقبات والعراقيل، وأقرب مثال على ذلك؛ تحفّظ بعض نوّاب الكتلة نفسها على بعض البنود الواردة في البيان. هذه التحفّظات متوقعة اذا ما نظرنا إلى الكتل المختلفة والأفكار المتباينة والرؤى المتنوّعة التي تضمّها الكتلة. بل إنني أتوقع أن تحدث بعض الانسحابات والانشقاقات داخل كتلة الأغلبية التي لن تتضرر كثيرا، بل قد تكون”ضارة نافعة”، فإن تحدث هذه الانسحابات الآن وقبل الانطلاق، خيرا من أن تحدث في أوقات لاحقة قد تكون حرجة. وللتذكير فقط فإن كتلة الأغلبية الحالية التي تضم 35 نائبا الآن كان نواتها بضعة نوّاب قبل 3 سنوات فقط، لم يفت في عضدهم قلّة عددهم أو تهميشهم أو شتمهم واحتقارهم، فتجاهلوا كل ذلك وانحازوا للحق والوطن فانحاز معظم الشعب ومعظم النوّاب-فيما بعد- إليهم.
تحتاج الأغلبية الان إلى لغة جديدة ونفوس جديدة وتحالفات جديدة ربما، فلسنا بصدد استجواب أو مظاهرة. نحن الان أمام مشروع بناء دولة حديثة، يستلزم التركيز الشديد على جبهة واحدة لا ينبغي أن يكون الخصم فيها كتلة سياسية أو نيابية أو إعلامية، فالخصم الحقيقي هو الحكومة فقط. لهذا ينبغي ألّا تتحوّل منابر ندوات دواوين الاثنين القادمة إلى منصّات لتصفية الحسابات السياسية أو لإطلاق الشتائم والتهم، فما ينتظرنا كشعب ودولة أهم من خصومة عابرة أو عداوة دفينة أو حساب لم يُغلق.
أعلم بأن المواجهة ستكون عنيفة وبلا أخلاق أو حدود دنيا، ولهذا يصبح الترفّع والاعتماد على ثقة الشعب، أكثر نفعا وفائدة من الانحدار والانغماس في منزلقات وحفر لا يعيش فيها سوى الضفادع وحشرات الظلام. وإذا ما فشلت الكتلة في ذلك، فإننا لن نتقبّل منها أن تخرج علينا فيما بعد لتقول «عيال اللذينا دزّوني في هالحفرة».