أقلامهم

عواطف العلوي: طفح الكيل يا سادة وبلغ السيل الزبى، ولم يعد وضع البلد يتحمل المزيد، وصار سن تشريع لتجريم خطاب الكراهية ضرورة.

مندهشة
أنا.. والباقي سقْط مَتاع! 
عواطف العلوي
منذ أن جاهَر إبليس بتميزه بناريَّته مقابل طينيَّتنا نحن بني البشر، فاستكبر وعصى ربَّه، بامتناعه عن السجود لآدم، انسل داء الكبر والعنصرية منه إلى دمائنا واستشرى في كيميائيتنا العقلية والثقافية والاجتماعية، ومازال مستفحلا منذ ذلك الحين، يتلوَّن بصور عديدة، ليخفي وجهه القبيح ورائحته النتنة، مؤججا نيران العداوة والدمار أينما حل، تُغذِّيه غريزة الكراهية المتجذرة في النفس البشرية، وسعيها الحثيث لنفي الآخر وإقصائه، إلى جانب سُلطات تعتنق مذهب «فرِّق تسد»، فتشجع التصادم والتناحر، لتحرر بهما أكثر الغرائز انحطاطا عند البشر، فيدوسون كل من هو مختلف عنهم بأحقر السبل، وأحيانا بأعنفها!
حاول النظام الشيوعي مكافحة تلك العنصرية حين ألغى الملكية الخاصة، باعتبارها السبب الرئيس للتمايز والكراهية والحروب، لكن تجربته تلك آلت إلى الفشل الذريع، ومازالت شعوبه تتجرع النتائج الوخيمة لذلك النظام حتى اليوم، لسبب بسيط، وهو أن فكرة الشيوعية تناقض فطرة التملك الطبيعية لدى الإنسان.
في الجانب المقابل، فالتنافس المباح في المجتمعات الديمقراطية (الحقيقية) كان يمكن أن يوجِد أرضا خصبة ينمو فيها خطاب الكراهية ويترعرع بين المتنافسين والخصوم، في ظل قوانين تدعم حرية الرأي والتعبير بأشكاله كافة، إلا أن تلك الدول انتبهت إلى خطورة هذا الخطاب، فاستبعدته بقوانين صارمة وعقوبات زاجرة من قوائم حرية التعبير التي تخالف فلسفتها هذا النوع من الخطابات.
أما في مجتمعات الديمقراطية (أُم نص كم)، فملامح حرية التعبير ضبابية غير واضحة، تُخرَس ألسنة وتُكتَم أقلام لا تريد إلا إصلاحاً، ويُطلَق العنان لحناجر وأبواق تبث خطابات مشحونة بسموم العنصرية والتحريض والكراهية لتهميش الآخرين وتحقيرهم وتخوينهم والتشكيك بأصلهم أو دينهم أو انتمائهم، في غياب قانون يجرّم خطاب الكراهية، ويحدد بشكل قاطع عقوبة من يتجاوز مساحة الحرية المسموحة له في خصومته مع الآخرين، فصرنا كما قال أحمد مطر:
كلُّ جزء وحدَه الكامل..
والباقي على أغلبِه سَقْطُ مَتاع..
حيث رِجلٌ تستبيح الرأسَ عِرقيًّا..
وبطنٌ يُصدِر الفتوى..
بتكفير الذراع..!
وبما أن لكل فعل رد فعل مساويا له في المقدار معاكسٌ له في الاتجاه، فمن الطبيعي أن تلك الخطابات والتصريحات الملغومة ينتج عنها هجوم مرتد من الطرف الآخر، لرد اعتباره المهان بخطابات أشد نبرة وعنفا تجر معها من التصرفات وأفعال الانتقام ما لا يُحمَد عقباه، فتستعر الفتنة لتحرق الجميع بلا استثناء، من له صلة، ومن يمشي تحت الساس!
طفح الكيل يا سادة وبلغ السيل الزبى، ولم يعد وضع البلد يتحمل المزيد من تلك المشاحنات والاستفزازات، وصار سن تشريع لتجريم خطاب الكراهية ضرورة ملحة لوقف تمزق لحمتنا الوطنية، إن لم تكن قد تمزقت بالفعل، فلنلجم تلك الألسنة، المأجورة غالبا، ولنوقف من وراءها، علّنا نلتفت إلى ما فاتنا من تنمية وإصلاح هرمنا ونحن نطالب بهما..!