لأنه الفراق الذي منه لا محالة. أحبب من شئت فإنك مفارقه. وكم من رحيل لا مرحباً به يجبرنا على التعايش معه في حياتنا؟ كثير هو. ولكني أراه الأقسى.
عندما لاح بشير قدوم الحبيب المنتظَر. أعددتُ له ما استطعتُ من عدة. حِكتُ له بيديّ ثوب اللقاء الأزرق كسماء الخريف بحجب الغيم. وكنتُ أعطره كل يوم بـ «الطيب والبخور» اللذين ابتعتهما خاصة لألقاه بعبقهم. واستبدلتُ كل التكنولوجيا الحديثة «عدا التكييف بالطبع» من إضاءة وسبل الراحة والرفاه. إلى البدائية البسيطة غير المتكلفة. وكأن لحضرته هيبة الأصالة. وطأطأة الحداثة. وكأن شرط قربه هو انفصالي عن الالتحام الخانق بالمدنية لأشهر طويلة. وجلستُ أتوسل أن يأتي.
وفي ليلة تكاد تشعرك أنها خارج الصوت من سكونها. ابتسم القمر. وارتسم رمز حضوره فوق وجهه المرسِل أنواراً للبشرية. بشيراً ورسول خير محملاً بمؤونة واقعها بالحساب والمنطق ليالٍ ثلاثين. وحقيقتها لا يبلغها إلا من لديه يقين بصوت دافق في دمه. لا يؤمن بحساب وأرقام، بل بفضل وكرم ومزيد.
في ليلتي الأولى معه اصطففتُ مع المصلين الأوائل فرِحة. فلما كبّر الإمام، وكأن المئذنة اهتزت، كانت تكبيرته إيذاناً بشهيق طويل سيمتد حتى يسمح القمر بالزفير بعد انقضاء عدة الشهر. والقلوب الجافة لإحدى عشر شهراً. يسابق نبضها بعضه بعضاً ليتنفس عبق الطاعة. نعم. إن للطاعة عبقاً ولها لون أيضاً. ولكن يطمسه الانغماس بالتفاصيل الحياتية. فيكْلحّ ويتشقق سطحه كثوبٍ بال.
وبدأ الرحيل للأعلى. إن قصة المسير الرأسي عبر أثير غيبي. لا منطق فيها. فإن كنتم تنتظرون سطوراً عقلانية. فلا تتموا القراءة. هذا المقال لن يشبع مزاجكم. أما من يؤمن باللامنطق وأن اليقين فيما لا يراه ولن يراه، ويكون مستعداً للركض بكل قوته فوق الجبل الشاهق، وتزداد سرعته كلما اقترب من حافة نهايته حتى إذا بلغ الفراغ الدامس ألقى بنفسه في الهواء ليتعلق بحبال موصولة إلى السماء وهو مطمئن، فسيجد هنا وصفا لتجربة قد تلهمه.
إن القوة الدافعة التي يملكها شهر رمضان شبيهة بالروح التي تبث في شيء جامد لا قيمة له لولا أن تنفخ فيه بأمر الله ولا أحد يعلم أو يدري كيف، لكان مثله مثل بقية الشهور.
لذلك، بالإضافة للمعروف من تكبيل مردة الشياطين فيه، فإنه الشهر الذي عبره تركن النفس لمكان قصيِّ عن نزعتها النزِغة، وتتخذ من السكينة متكئاً ولحافاً. وتحلق في شعور رحب بانفتاح العاطفة والروح للتلقي. وكبْت الجسد عن رغباته والعقل عن التفكير ذينك المؤثرين سلباً على سرعة الارتقاء والسمو فوق الملموسات والمحسوسات، للقاء الجانب الملائكي في الإنسان، والمخبأ المغطى بنزاعات مد وجزر حب الدنيا، والتزود للآخرة.
الجانب الخيري الملائكي أستطيع أن أصفه بالغريب. فإن شد رمضان رحاله وجدته ينحسر ويتراجع ويقبع في مكان ما في زوايا النفس البشرية كأنه يحتمي منها في أماكن أساساتها، حتى إن بدأ بناؤها بالتساقط يظل موجوداً ليقيم صلبها تارة أخرى. ينتظر ويراقب صاحبه وهو يتلاطم بين جناحي الخير والشر. فالإنسان يظن أن التوازن بينهما يحقق له طيرانا آمنا. بينما النفس الأمارة بالسوء تشعل حمية المنطق عنده لتجعل الجسد يتحرك من خلال معادلاته. في حين أن اللاتوازن بين الخير والشر قد يكون التوازن الوحيد في الكون الذي لا يحقق العدل في نتيجته ويتسبب بخسارة صاحبه.
هل نستشعر أن أعظم منح الله جل وعلا للمسلم شهر رمضان؟ ومن النقم على النفس ألا تعطل كل شيء فيه عدا الرحيل لله بكل وسائل الانتقال، وارتشاف لذة التقرب وإشباع الروح والعاطفة، بل والتخزين لبقية الأشهر التي تتكالب فيها الدنيا بلباسها الكاذب لتقوم بالغواية الرتيبة المكررة والعجب أنها الحفرة ذاتها يسقط فيها غالب البشر، ولا يتنبهون؟!
رأيتهم في صلاة العيد، منهم من سيماهم تنضح من قلوبهم. ومنهم من خرج من رمضان كأنه انتهى من واجب قام بأدائه كما هو مطلوب منه تماماً. ويسمع عن أثره على الناس من الناس. ولكنه يعجب! لأنه ما زال لديه جفاف روحي. رغم اتباعه للمطلوب من صوم وقيام وصدقة وكل المحسوسات. وغاب عن ذهنه أنه خارج فضائهم لأنه في دائرة المنطق والحسابات. ولم يسمح لنفسه بالانسياب في التَضاعُف اللامنتهي للعطايا. ولم يقذف نفسه في الفراغ ماداً ذراعيه لحبل يبصره ولا يراه ولكنه يدري أنه سيمسكه. لم يغمض عينيه ويرى شيئا منه يخترق الضوء سرعة وبريقاً. ويعود محملاً بالهبات.
هذه هي الفرس التي تطير في سماء رمضان. هي ذاتها بين جنبيك طوال العام. وتتركها عطِشة جائعة تنتظر هيامها شهراً كل عام. فهلا أسديتَ لنفسك معروفاً وأطلقتها بقيته؟
@kholoudalkhames

أضف تعليق