أقلامهم

عبدالهادي الجميل: نحن لا نبكي الموتى بل نبكي الأوقات السعيدة التي تقاسمناها معهم فيما مضى.

ضحك كالبكا
زمنٌ جميل
كتب عبدالهادي الجميل
 
عرفنا برنامج” أخبار جهينة” منذ أن عرفنا أنفسنا، فأحببنا صوت أحمد سالم المليء بالحكمة والمعرفة والعلم والقوة، وتسامحنا مع ناعسة الجندي التي قدّمت المرأة؛ جاهلة وبلا ثقافة قياسا بالرجل، فكان دورها هامشيا جدا وتكتفي فقط بقول” لا أعرف يا جهينة… كلّي آذان صاغية يا جهينة…أخبرني يا جهينة”.
لا أدري لماذا أجد في صوت أحمد سالم، رحمه الله، صوتا فوقيا يملك كل الأجوبة لكل الأسئلة، وكأنه الحاكم المطلق الذي يستقي أحكامه وأفعاله ومواقفه من الله مباشرة، في حين أجد في عجز وجهل ناعسة الجندي صورة الشعوب العربية التي لا ترى إلّا ما يراه الحاكم ولا تعرف إلّا ما يعرفه.
أحمد سالم، مذيع لا نعرف عنه سوى أن له صوتا رخيما محببا للأسماع، فما الذي يجعلنا نشعر بفداحة غياب هذا الرجل الذي لم نعرف ملامح وجهه إلّا عندما ظهرت صورته في الصحافة خلال اعلان خبر وفاته قبل عدّة أيام؟!!
أظن أنها “النوستالجيا” الحادة للزمن الجميل الذي ارتبط بأحمد سالم وبحقبته الرائعة الممتدة خلال الثلث الأخير من القرن الماضي عندما كانت الكويت تعيش أزهى عصورها.
نحن نشتاق دائما للأوقات الجميلة ونحزن كثيرا عندما يغيب أحد الأشخاص الذين ارتبطوا بأذهاننا بهذه الأوقات، فنشعر بأنها أصبحت أكثر بُعدا عن ذي قبل، ونشعر بأننا لا نفقد سعادتنا فقط، بلا نفقد حتى ذكرياتنا السعيدة!
لم يعد الحاضر يعجبنا، كل من نحبّهم أصبحوا بعيدا جدا، كل من أسعدونا ماتوا، ومن بقي حيا منهم أصبح أشد بؤسا من حفار القبور.
نحن لا نبكي الموتى  بل نبكي الأوقات السعيدة التي تقاسمناها معهم فيما مضى. لهذا أصبحنا نُخضع كل شيء للمقارنة الصارمة مع الماضي، والنتيجة دائما لمصلحة الماضي المرتبط بالجمال والفتوة والبساطة والاستقرار والحريّة والنزاهة. كويت الماضي أجمل من كويت الحاضر، المجتمع كان بسيطا جدا ومساحات الفرح أكثر اتساعا، وأقنية الكراهية أشد ضيقا من الآن. كل الأشياء الجميلة التي عشناها كانت تعود لتلك الفترة، حاضرنا ليس إلّا حالة انحدار حقيقية في كل شيء؛ سياسيا، اجتماعيا، ثقافيا، رياضيا، فنيّا، وأخلاقيا. أحمد سالم وحده لم ينحدر، أنقذه الموت قبل أن ينحدر مثلنا، وقبل أن يعطينا الأجوبة عمّا يحدث حولنا الآن، ترك ناعسة الجندي حائرة، لأول مرة، وتركنا نبحث عن الأجوبة التي استعصت حتى على الحاكم المطلق الذي لم تعد أجوبته تُقنع أحدا!