أقلامهم

وليد الرجيب: أكتشف أن الناس البسطاء وعمال المصانع أكثر وعياً ونضالاً وتفاؤلاً من بعض المثقفين

أصبوحة / وعي المثقفين ووعي العمال 
وليد الرجيب 
أثناء وجودي في القاهرة هذه الأيام، عبرت لأحد الأصدقاء عن استيائي من الازدحام المروري الشديد حيث تستغرق بعض المشاوير من ساعتين الى ثلاث، وأيضاً عبرت عن ضياع وجه مصر التي أعرفها، بالجسور الكثيرة والمتشابكة والاعلانات التجارية وانتشار نمط الحياة الاستهلاكي ما يزيد من معاناة الفئات العمالية والمهمشة، اضافة الى قلة المكتبات التي تعنى بكتب التنوير وازدياد ملحوظ للكتب الدينية وكتيبات الفتاوى الغريبة.
 عندها سألني هذا الصديق: «منذ كم سنة كنت تدرس هنا؟» فقلت وكأنني فهمت ما يرمي اليه: «من أربعين سنة تقريباً»، ثم تطرقنا الى التغيرات الثقافية والاجتماعية في بلداننا، فاقترح علي عمل محاضرة صغيرة أتحدث فيها عن الكويت التي التصق اسمها بالثقافة والديموقراطية.
 وبالفعل تم ترتيب اقامة هذه المحاضرة، وتحدثت عن تاريخ الكويت الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والفرق بين كويت عقود الستينات والسبعينات وبين كويت الآن، والتغيرات الاجتماعية والثقافية وحتى في السلوك اليومي والقيم.
 ولاحظت أن معظم الحاضرين كانوا من المهنيين أو المتعلمين والمثقفين، واندهشت أن البعض منهم ما زال مقتنعاً بأن الكويت كيان مصطنع وأنها تاريخياً جزء لا يتجزأ من العراق، وحاولت أن أشرح له خطأ مثل هذا الادعاء وطلبت أن أسجل المراجع التي استند اليها فلم يتذكر مرجعاً واحداً، بينما أعطيته بدوري أسماء كتب ذات قيمة ثقافية وتاريخية ومنها كتب الرحالة حول تاريخ وجغرافيا المنطقة.
 واستغربت من آخر قال في عرض كلامه مصطلح «الديموقراطية البدوية»، ولم أكن أعرف هل قالها من قبيل الاستهزاء والتقليل من تجربتنا الديموقراطية، أم انه مجرد سوء فهم ومتابعة، واستنكر ثالث أن يكون للكويت تاريخ وطني ومطالبات بالمشاركة النيابية يمتد الى عام 1921 واعتبر ذلك مبالغة مني.
 وعند الحديث عن الثورات العربية، عقب أحدهم بيأس شديد بأنها صناعة أميركية يراد منها حكم الاسلام السياسي، ورغم اعترافه بالتضحيات والشهداء في ثورة 25 يناير، الا أنه أصر أن الوضع في سورية يختلف، فالهدف من الثورة هو ازالة نظام بشار الممانع والمقاوم بواسطة العصابات المسلحة والجهادية، ورغم أنها لم تكن آراء جميع الحضور الا أني شعرت ببعض الاحباط من الموقف المشوه لبعض المثقفين.
 وفي منتصف المحاضرة فوجئت بدخول مجموعة لا بأس بعددها، فهمس عريف المحاضرة بأذني بأن هؤلاء مجموعة من عمال النقابات المستقلة كانوا في مظاهرة من أجل حقوقهم التي حاول نظام مرسي طمسها، ومن أجل الدولة الديموقراطية المدنية ولذا تأخروا بالحضور.
 والأهم أن تعليقاتهم ومداخلاتهم كانت ناضجة، وكان وعيهم السياسي والنضالي أفضل من بعض المثقفين، بل أنهم حييوا الحركة النقابية في الكويت «ومجلة العامل» التي يحتفظون بأعدادها الأولى كما ذكر أحدهم، وكانوا متابعين وواعين لتفاصيل ما يحدث في كل من الكويت ومصر وسورية، ولديهم يقين بأن ثورتهم ستنتصر على الثورة المضادة وعلى حكم الأخوان الذين بدأوا بالارتباك أمام قضايا الشعب المصري العميقة، وكان حماسهم النضالي شديداً.
 ومرة أخرى أكتشف أن الناس البسطاء وعمال المصانع أكثر وعياً ونضالاً وتفاؤلاً من بعض المثقفين الغارقين بالضبابية واليأس، ثم فهمت أن هؤلاء المثقفين لم ينزلوا الى ميدان التحرير أثناء الثورة وعملياً لم يشاركوا بها.