أقلامهم

عبدالله النيباري: حُكم المحكمة انقذ الكويت وشعبها من سيناريو رهيب كان المسرح معداً لاخراجه من قبل الحكومة.

التحدي الأكبر أمامنا الآن وقف مسلسل الفرص الضائعة
عبدالله النيباري
تحية اجلال وإكبار لمقام المحكمة الدستورية، رئيساً واعضاء، للحكم العادل والرصين الذي اضاف عموداً لبنائنا القانوني والدستوري، معززاً سيادة القانون وحرمته، وأنعش الآمال بأن الكويت دولة يحكمها القانون امر ممكن. نُشيد بالقضاء الكويتي وحياديته ومقدرته العلمية القانونية، مع احتفاظنا بانتقاد احكامه، اذا ما رؤيت بأنها في تفسير خالفت الدستور وصحيح القانون جافت العدالة. حُكم المحكمة الدستورية بأن الطعن المقدم من الحكومة، هو انتصار لعدالة القانون وانتصار للشعب، ولا يعتقد احد انه بنشاطه أو تحركه أو تجمعاته الشعبية قد حقق هذا الانتصار، فذلك اقل ما فيه طعن في حيادية المحكمة، وانها تتأثر بالضغوط السياسية، مما يُعد انتقاصا من قدر المحكمة، التي عزز هذا الحكم احترامها لدى الناس وضاعف ثقتهم في القضاء. 
هذا الحكم هو دحض للادعاءات التي اطلقها من يعتقدون بأنهم بضغوطهم جاء الحكم العادل، فيما كانوا يتحدثون عن ضلوع القضاء في مؤامرة السلطة للتخلص من مجلس 2012 الذي ابطل حكمها وجوده. 
المحكمة كانت عادلة آنذاك، وهي نفسها اليوم عادلة بحكمها بعدم ابطال القانون، اخطر ما يمكن ان يحدث ان يتخيل البعض ان المحكمة في اصدار حكمها تأثرت بضغوط. عدم الحكم بابطال القانون ابطل ذرائع المتشككين بصحة ابطال انتخابات مجلس 2012، الذي بالغ البعض واعتبر ذلك الحكم جزءاً من خطة محبوكة باتقان، والبعض كان حتى الامس يقول بعدم صحته، والحكم الذي ابطل انتخابات 2012 هو حكم لا يقل اهمية عن حكمها في رفض طعن الحكومة، لانه ابطل دستورية مرسوم صادق عليه سمو الامير رئيس الدولة، ووقعه بناء على قرار وافق عليه مجلس الوزراء آنذاك وعرضه رئيس الوزراء. 
هذا الحكم يعد منعطفاً تاريخيا، لأنه اكد حقيقة تضمنها دستور الكويت، لكنه لم يكن محل فهم وانتباه، ليس من قبل عامة الناس، بل حتى النخب المثقفة. اذ اكد ذلك الحكم أن الدستور لا يجيز لسمو الامير رئيس الدولة حل مجلس الامة الا بناء على قرار من مجلس الوزراء، وهو ما يهدم الاعتقاد أو الفهم الشائع بجواز حل مجلس الامة بأمر اميري او بقرار منفرد من الامير. 
حُكم المحكمة الرائع انقذ الكويت وشعبها من سيناريو رهيب كان المسرح معداً لاخراجه من قبل الحكومة، وهو الابقاء على الدوائر الخمس وتعديلها، وان يكون لكل ناخب صوت أو صوتان، وهو ما يؤدي الى رواج شراء الاصوات التي ابتلينا بها على مدى ثلاثين عاما، منذ اقر نظام ال‍ 25 دائرة عام 1980، وأنتج مجالس الاستثناءات، كما ذكر الاخ بدر السميط في مقالة (القبس 2012/9/23)، «مجالس استثناءات، والخدمات والواسطات لمن يستحق على حساب من يستحق، والضغط على المسؤولين لايقاف الغاء قرارات هدفها المصلحة العامة والضغط لطمسها وايجاد الاعذار الطبية لمرتكبيها، وتوسط لارسال مرضى للعلاج السياسي، لانهم ليسوا مرضى». 
والآن حكم المحكمة برفض الطعن اتاح لنا فرصة ثمينة للنظر في كيفية ادارة شؤون بلدنا نحو الحكم الرشيد والصالح، ونطرح امامنا تحدياً كبيراً، وهو هل سنحسن هذه المرة استثمار هذا الانتصار الرائع للقانون والمكسب السياسي العظيم، ام سنخسره بسبب الغرور والعنجهية والاستمرار في الخطاب الهابط الذي مجه الناس لكثرة مافيه من تجريح وتطاول على الناس؟ والاستمرار في التهديد والوعيد وافتعال الضجيج والاصوات العالية بدلاً من المحاسبة الصادقة والرقابة الرصينة بصوت هادئ لكنه حازم، ويعكس موقفاً رصيناً، لكنه صارم غني بالمضمون، خال من التهويل يعزز ثقة الناس بالمؤسسة الديموقراطية، من دون ان يعمق احباطهم ويستقطبهم لدعمه ولا ينفرهم بسبب المواقف الشخصانية او المصالح الذاتية. 
نحن مقبلون، باذن الله، على انتخابات ندخل فيها امتحاناً تحدد نتائجه ما اذا كنا فعلاً شعباً يمارس بصدق ما يثبت ان صوته في الانتخابات امانة، ويؤكد حرصه على المؤسسة الديموقراطية وتطورها كمؤسسة تدفع عجلة التنمية ولا تعرقلها، وتقوم بواجبها في حماية المال العام بكل اشكاله، سواء كان اموالا او اراضي وغيرهما، من دون تفريط في اموال الدولة، او تبذيرها لارضاء وكسب الاصوات من دون مراعاة العدالة والمساواة، ليس بين ابناء الجيل الحالي، وانما بين الاجيال المتعاقبة الحالية والقادمة. 
تاريخنا القريب، على الاخص في العشرين او الثلاثين سنة الاخيرة، هو تاريخ الفرص الضائعة التي اهدرناها نحن، سلطة وحكومة ومجالس امة، وايضا كناخبين ومواطنين عاملين، لا نقوم بواجبنا اينما كانت مواقعنا. 
الفرص الضائعة، التي فوتناها، عطلت التنمية فتراجعنا عن المراحل الذهبية في تاريخ الكويت، التحدي الذي يواجهنا اليوم هو ان نوقف مسلسل الفرص الضائعة. 
مرة ثانية، تحية إجلال وإكبار لقضاتنا الكبار.