أصبوحة / اعتقال «بدايات»
وليد الرجيب
إن صح ما يتداوله الشباب المهتم بالشأن الأدبي والثقافي، بأن السلطات الرقابية في وزارة الاعلام قد منعت العدد الثاني من مجلة «بدايات» الفكرية الثقافية، التي يرأس تحريرها المفكر اللبناني «فواز طرابلسي»، ان صح هذا الخبر فذلك يعد تراجعا مؤسفا لموقف دولة الكويت من الثقافة والفكر الرصين والدراسات ذات المجهود الفكري العميق.
وكنت قد كتبت قبل بضعة أشهر في هذا العمود عن صدور العدد التجريبي الأول لـ«بدايات»، الذي صدر في شتاء 2012، وعرضت للمقالات والدراسات والقصائد التي تناولت انطلاقة الثورات الشعبية العربية وما أنتجته من رؤى فكرية وثقافية متنوعة، وهذه المجلة شكلت اضافة مهمة للمجلات الثقافية الفكرية العربية التي افتقدها القارئ المثقف في السنوات الماضية، مثل مجلة «الطريق اللبنانية» ومجلة «أدب ونقد» المصرية وغيرهما من المجلات الدورية التي يتلهف المثقفون على قراءتها، لافتقار الساحة الثقافية الفكرية لهذا النوع من المطبوعات بعد طغيان وسائط الاتصال المجتمعي والوجبات الفكرية السريعة التي تقدمها صفحات الرأي في الصحف اليومية، التي لا تشبع القارئ المثقف.
والمفكر اللبناني «فواز طرابلسي» مفكر معروف على المستوى العربي، له العديد من المؤلفات التي يعتد بها، وله ندوات ومحاضرات على طول الوطن العربي وعرضه، وهو ليس بالكاتب الضحل المتهافت والمغمور في دهاليز الصحافة العربية، وهو علم من أعلام الفكر العربي.
ان منع العدد الثاني من مجلة «بدايات» بعد السماح بتداول العدد الأول حتى في مكتبات الجمعيات التعاونية، يعد تراجعاً مؤسفاً لموقف الكويت التي ساهمت بنشر الثقافة العربية من خلال اصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكذلك لاقتران اسم الكويت بالثقافة منذ بدايات القرن الماضي.
ألا يكفي ردة وزارة الاعلام وخضوعها لقوى التزمت من خلال منع العديد من الكتب والروايات عبر سنوات في معرض الكويت للكتاب العربي؟ حتى حولته من ثاني أهم معرض عربي الى سوق هزيل للكتب ينفر القارئ الجاد من ارتياده، ويفضل عليه معارض الكتب في دول الخليج الأخرى بما فيها المملكة العربية السعودية.
لم تعد هناك دولة في العالم تمنع مطبوعاً ابداعياً أو ثقافياً أو فكرياً، وتبدو الكويت من الدول النادرة التي تمارس مثل هذه الوصاية على الفكر والابداع، رغم أنها دولة ذات نظام ديموقراطي يكفل دستورها الحريات بما فيها حرية المعتقد والتعبير والوصول للمعلومة، وهي بمنعها للكتب والروايات تخالف مواد دستور بلدها الذي أفرد لها باب خاص، ولم تمنع مجلات ثقافية أو فكرية سوى في النظم الديكتاتورية في العقود القديمة.
إننا كأدباء ومثقفين نخجل من قرارات المنع والوصاية ومصادرة حق المواطن في الاطلاع، ومن تعامل الوزارة معه كطفل لا يعرف ما يفيده وما يضره، ونواجه بعتب بل وسخرية أحياناً من المثقفين العرب من ادعائنا بأننا نعيش في دولة الحريات التي تعتني بالثقافة وتعلي من شأن الأدباء والمثقفين.
والأهم أن الأمر يبدو وكأن من يمارس الرقابة والمنع لم يدرك حتى الآن أن أي انسان في الكرة الأرضية يستطيع الحصول على أي معلومة أو كتاب من خلال وسائل الانترنت، وأتمنى على الرقيب أن يبحث في برامج محركات البحث عن أي كتاب ممنوع في أي بقعة في العالم، فسيجده وسيستطيع تحميله على جهاز الكمبيوتر.

أضف تعليق