لا سلطة بلا رقابة .. ولا رقابة بلا قيم .. ولا قيم بلا مبادئ
جاسم محمد الشمري
يوما بعد يوم يستبين أن الشعوب العربية أبعد ما تكون عن فهم فلسفة الديمقراطية حيث لا سلطة بلا رقابة ولا رقابة بلا قيم ولا قيم بلا مبادئ.
السلطة المطلقة مفسدة وصلاحها مرتبط بشخص من يتولى المسؤولية فيها فإن صلح صلحت مؤقتا وما إن يتولى المسؤولية غيره تتطبع بطبعه وهكذا هي شواهد التاريخ القديم والحديث فحيث غابت الرقابة والمحاسبة عن أفعال المسؤول فعل في نطاق مسؤوليته ما شاء، وكان كالمنذر بن ماء السماء له يوم سعد سعد به طائفوه فيه ويوم نحس خسر من ساقهم حظهم العاثر إليه فيه.
نتذكر باعتزاز تاريخ الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز الذي أقام العدل على نفسه أولا فاستقام المجتمع عدلا وتكافلا وتراحما حتى أن الرجل ليخرج بزكاة ماله فلا يجد لها مستحقا إذ حينما عم العدل البلاد هرب الفقر من النافذة ، غير أن هذا الاستذكار لسيرته المتميزة يوجب علينا لفت الانتباه إلى الجانب المظلم من الحقيقة وهي أنه وكما أسلافه وخلفاؤه أيضا لم يؤسس لسلطة تقبل النقد والتقويم والمتابعة وعليه فما إن طواه الموت حتى عادت الأمور إلى نصابها الخاطئ قبله من ترف السلطة واستبدادها، الأمر الذي أسس لاحقا إلى سقوطها.
وعلى مدار التاريخ خاضت السلطات المختلفة حربا ضروسا مع المصلحين المطالبين بالرقابة على أفعالها وتقويم اعوجاجها في حين كانت هذه السلطات تصر على إطلاق يدها في فعل ما تشاء طالما أنها تملك المنعة والقوة لذلك ولا نستثني هنا إلا بواكير الدولة الإسلامية التي أسسها رسولنا الكريم والتي كانت تمنح الأمة حق تقويم الحاكم وهذا كان حينما اختار الرسول البقاء في المدينة في غزوة أحد فاختارت الأمة أن تخالف رأيه الدنيوي ولتقضي بخروج الجيش إلى أعتاب المدينة لملاقاة العدو وهكذا كان حينما اختار موقع الجيش في بدر فأشارت عليه الأمة بغير رأيه فاستجاب لها وهكذا كان حينما نصح أهل المدينة في بعض شؤون زراعتهم في تلقيح نخيلهم فكان الرأي بخلاف ما أشار به عليهم وهذه كانت جميعها إشارات واضحة لا تحتمل التأويل على نطاق مسؤولية الأمة في الرقابة على حاكمها وهو ما سار عليه خلفاؤه الراشدون من بعده غير أن الفقه الإسلامي فيما بعد كان قاصرا عن تأصيل نظرية عامة في الحكم تستند إلى تلك الحقبة المشرقة من عمر الإسلام إذ اعتلى سدة المسؤولية فيها مستبدون صهروا المسؤولية بذاتهم وأضفوا على أنفسهم قداسة باعتبارهم خلفاء الله في الأرض ووجدوا فقهاء سلطة زينوا لهم عملهم وشرعنوه لهم وربما لذلك وجدنا الرأي بأن الخروج على الحاكم خروج عن جادة الصواب استنادا إلى أقوال نبوية ربما اجتزئت من سياقها أو ربما كان تأويلها غير مرتبط بما أراده هؤلاء الفقهاء بها فالإسلام يعلي من شأن أتباعه ولا يخلق منهم «إمعات أو تبع» إلا للحق يدورون معه أينما دار.
في محيطنا العربي يبدو الأمر معقدا فلا السلطة تؤمن بمبدأ الرقابة ولا النخب المحيطة بها تدلها على ضرورة أن تتمترس بهذا المبدأ للحفاظ على كينونتها من الاضمحلال ويزيد الطين بلة حينما لا يستشعر المواطنون أنفسهم أن هناك خللا ما في هذه المنظومة ويصرون على أن المبادئ متغيرة بتغير المواقع والأزمنة.
حقوق الإنسان ضمن عشرات المباحث التي تعنى بها أدبيات الديمقراطية بل ربما كانت هي أهمها وفي محيطنا العربي تقبع هذه الحقوق في مؤخرة ركب الاهتمام عند من يدعون الإصلاح أو الصلاح وفي الكويت على سبيل المثال لا يهتم سياسيوها الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لانتهاكات حقوق الإنسان المتتالية وهم يقيسون ردود أفعالهم تجاه هذه القضايا بما يتحقق لهم من مصلحة مباشرة من إثارتها أو الاهتمام بها أو إدراجها على سلم أولوياتهم فإن لم يكن فيها مصلحة مباشرة فإنه لا طائل من الانخراط في صفوف متبنيها.
سياسيو الكويت اختزلوا الدستور الراقي الذي أوجده الآباء المؤسسون في مادتين أو ثلاث أو فصل منه فقط يتعلق بوجود البرلمان متناسين أن عشرات المواد الأخرى جاءت قبل فصل البرلمان ومواده ومؤدى تطبيقها سيوصل حتما إلى إيجاد برلمان قوي ومتزن يعي منتسبوه مهام عملهم فيقفون عندها غير أننا حينما قفزنا تعمدا على تلك المواد الأهم نتج برلمان مشوه لا يعي أغلب نوابه الديمقراطية ويعتبرون أنها سبيلهم إلى الثراء والوجاهة الاجتماعية.
من ضمن تلك المواد التي لا يعير لها بالا هؤلاء السياسيون ما يتعلق بحقوق الأفراد وتساويهم وعدم التمايز بينهم في الحقوق والواجبات وكان الدستور واضحا في استخدام مفردة الأفراد دون المواطنين استشعارا من المشرع بأهمية تنامي الحس الإنساني في المجتمع وشيوعه بما يؤسس لاحترام متبادل بين مكونات المجتمع أيا كانت انتماءاتهم أو أصولهم أو مشاربهم وهو ما يعني استطرادا سيادة روح العدالة وقيم التكافل في المجتمع وليقف كل فرد فيه عند مسؤولياته.
هذه المثالية التي تضمنها الدستور لم تكن هي للأسف ما طبق على أرض الواقع إذ تحورت مفردة الأفراد في النص الأصلي ليستبدلها عرفا المشتغلون بالشأن السياسي والأمني والاجتماعي أيضا بمفردة المواطنين مع ما يحمل هذا النفس الإقصائي من خطر على المجتمع إلا أن لا أحد كان يهمه تطويق ذلك الخطر طالما أن المتضررين منه أفراد لا وزن لهم في العملية السياسية ولهذا لم يخطئ أحد ذلك الأمني الذي خرج مجاهرا بأن حرية التعبير كفلها الدستور للمواطنين في افتراء واضح على مواد الدستور ومرت المقولة دون أن تثير حراكا رافضا أو ساخطا على ذلك التنقيح الدستوري الذي مارسه هذا المسؤول الأمني لأن التنقيح لم يطل مسؤوليات السياسيين أو الفصل المتعلق بوجود مجلس الأمة وانتخاب نوابه وصلاحياتهم.
في يوم اللاعنف العالمي الذي صادف يوم الثلاثاء الماضي لم يكن هناك في المجتمع الكويتي حراك سياسي واجتماعي وثقافي وتعليمي يليق بالمناسبة ليتطبع في أذهان العامة مفهوما للسلم الاجتماعي في تجاهل تام لمخاطر عدم الاعتناء بشيوع ثقافة السلم ونبذ العنف ربما لأن الأمنيين يعتقدون أن لا حاجة لهم في مجتمع تسوده الألفة أو ربما لأن السياسيين أيضا لا يعتقدون أن بإمكانهم الارتقاء إلا على جثث ممزقة وهكذا نؤمن يوما بعد يوم أن ما يفصلنا عن الديموقراطية وادٍ من كراهية نؤصلها وواد من إقصاء نمارسه دون أدنى مسؤولية بالمخاطر المترتبة عليه في كيان المجتمع وتماسك مكوناته.

أضف تعليق