الذرائعية صنعة منزلية
بثينة العيسى
بلدي يقفُ على حافةِ الجرف، وهو يغلي ويمعنُ في ذلك وكأنه يستمرئ الأمر. كل شيءٍ قابل للاشتعال هنا، في غمرة الانقسام السياسيّ بين دعوات المقاطعة والمشاركة في الانتخابات القادمة، لم يعد بوسعِ أيٍ منا أن يتعسكر في منطقةٍ وسطى، في خانة ثالثة، فالانقسامُ حاد والاختلافُ جذري، والجميع مشغولٌ بدحر حجج وآراء الطرف الآخر، ويبدو أن الطرفان مختلفان في كلّ شيءٍ تقريباً، كل شيء إلا واحد: تجيير الدين لخدمة السياسة.
ففي الوقت الذي بدأت فيه السلطة في التعميم على المساجد لتسخير منابر خطباء الجُمَع من أجل حضّ الناس على المشاركة وتجريم التظاهر “دينياً” والتأكيد على وجوب طاعة ولي الأمرِ “وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك”، ضاربين بعرض الحائط فصولاً ثورية كثيرة من تراثنا الديني وكأنها لم تحدث قط، مثل وقعة “الحرة” التي ثار فيها صحابة المدينة على يزيد من معاوية، وخروج الحسين عليه السلام ضده وغيرها ..
وفي الوقت ذاته، نجدُ أطرافاً من المعارضة تستخدم الدين استخداماً مضاداً من أجل تجريم الطرف الآخر (دينياً) أيضاً، فصرنا نسمعُ عن دعوات بعض المجتهدين إلى إزالة صفة وليّ الأمر عن الأمير أو الرئيس أو الحاكم، وإلحاقها بمجلس الأمة على اعتبار أن الأمة هي “مصدر السلطات”، وأخيراً رأينا في “تويتر” إعلانات “بدّل سيئاتك حسنات” من خلال تغيير موقفك السياسي من مشارك إلى مقاطع! وقد كان هذا الإعلان في صيغتهِ الفجة والساطعة هو ما فجّر دهشة الجميع مقاطعين ومشاركين على حد سواء.
والسؤال الآن هو: على ماذا تندهشون؟! هل تندهشون من قدرة الساسة – حكومةً ومعارضة – على تسخير الدين لخدمة مصالحهم السياسية؟ وكأنكم لا تفعلون الشيء نفسه؟
كم مرّة سمعت المرأة من زوجها أحادث وجوب الطاعة والتحذير من النشوز، ومن التعرّض لـ “لعنات الملائكة” إن هي حادت عن جادة أوامرِه ونواهيه ورغباته؟ كم مرّة اضطرت امرأة إلى تعطيلِ إنسانيتها وحريتها من أجل الاتساق مع رغبة الزوج خوفاً من اللعنِ والعصيانِ والانكباب على وجهها في النار؟ كم مرّة استخدم الرجل نصوصاً مقدسة لإخضاع امرأته وقمع اختلافها معه، بدلا من البحث عن حلول حقيقية للارتقاء بالحياة الزوجية إلى حياة المشاركة الكاملة؟
وأيضاً، كم مرّة لجأت الأمّ إلى أحاديث وآيات دينية لتذكر أطفالها بوجوب طاعتها وعدم التبرّم من أوامرها ونواهيها؟ كم مرة قلتِ لطفلكِ، أيتها الأم، بأنه إذا رفض تنظيف أسنانه، أو تقليم أظافره، أو حل واجبه المدرسي، أو رفض أن ينام في الوقتِ المحدد .. فإنه متورّط في العقوق وأن من يعق أمه يدخل النار، وأن عليه أن يرضيك لكي يرضى الله عنه؟ متى صار الرضى الإلهي متوقفاً على إحراز الدرجات العالية في اختبار العلوم؟
من منا لم يستخدم هذه النصوص الدينية لإخضاع الآخر وتجنب الدخول في حوارٍ أو تكبد مهمة الإقناع وغيره مما يتطلبه بناء علاقة حقيقية معه، ألا تفعل الحكومات الشيء نفسه؟ ألا تفعل المعارضة الشيء نفسه؟ فعلى ماذا تندهشون؟ طالما أننا نضع وسطاء بيننا وبين الله، وندشن كهنوتاً اجتماعياً لمنح صكوك الرضى والغفرانِ كأمهات وأزواج وملوك وثوار، فعلامَ الدهشة؟
وإذا كنا اليوم نطالب بالمشاركة السياسية بين الحكومة والشعب، ألا يجدرُ بنا – كثوريين حقيقيين – أن نقوم بما علينا لتحقيق ذلك في بيوتنا، بدلا من التوكأ على “عكاز” المقدّس للوصول إلى مصالح آنية وعدم الاشتغال الحقيقي على وجوه الضعف في تلك العلاقات؟ إلى أي حدٍ تقبل أيها المقاطع / المشارك بتطبيق الديموقراطية في بيتك ومع زوجك وأطفالك؟
وإذا كنتم لا تتورعون عن توظيف الدين لإخضاع الآخر وإرهابه بقوانين “السمع والطاعة” فبأي حقٍ تنكرون ذلك على الحكومات والمعارضة؟ وماذا عسانا نفعلُ بكم – نحن الحيارى في منتصف المسافةِ – وأنتم تختلفون على تأويل النص وتتفقون على مشروعية تجييره من أجل مصالحكم، وكل طرفٍ يزعم بأن الله – تعالى عما تصفون – في صفه؟
والأهم، متى سيرتاح الدين، هذا الرحالة المتعب من ذرائعية أصحاب المصالح؟ متى سيرتاح من شده وجذبه، هنا وهناك، حتى يصل إلى مكانهِ الصحيح، إلى قلبِ إنسان؟ متى سيعود الدين إلى حقيقته، بعد أن حولناه جميعاً، الأم والزوج والحكومة والمعارضة، إلى وسيلة إخضاع لا فضاء تحرر؟
الذرائعية تنخرنا من الداخل، عميقاً، عميقاً، من بيوتنا، من حجراتنا الزوجية وعلاقاتنا مع أطفالنا، وكبار السن، والمرضى، والجار، وكل من ورد في حقهِ نصٌ نبوي أو قرآني. لا نتورّع عن استخدام هذه النصوص استخداما مصلحياً، مادياً، براغماتياً جداً، لخدمة مصالحنا الخاصة، وممارسة التسلط ضد غيرنا. إذا أردنا تشخيص المرض حقيقة فلا بد أن نعترف بالحقيقة: الذرائعية صنعة منزلية.

أضف تعليق