العبودية الطوعية
طارق محمد الفريح
عندما تفكر في اتخاذ قرار يسمح لعقلك بمزاولة مهنته الطبيعية فحتما هنالك خلل ما، وبالتأكيد سأصنفك وفقا لرؤيتي الخاصة بنوعين من البشر، وسأكفل لك حق الاختيار بينهما وفق ما تراه مناسبا ويليق بمقامك.
الصنف الأول منهم، أولئك الذين يرون بأن الحياة لا تستحق التفكير والتأمل وصداع الرأس، فهؤلاء ليسوا بأغبياء، لكنهم يمارسون عادة الاستغباء لمجرد الحفاظ على سلامة الاسم والسمعة المظهرية، إنهم في واقع الحال يعيشون داخل حظيرة صنعها آباؤهم وأجدادهم بسواعدهم طواعية، وقد وجدوا أنفسهم فجأة بين ثنايا هذه الحظيرة، محكومين بعاداتها وتقاليدها، وعندما يحاولون العيش والتصرف وفق ما يحلوا لهم تتم مهاجمتهم، وتوجيه السباب والشتائم لهم من قبل من يرون أنفسهم بأنهم يملكون حق مصادرة الكرامة، وحينما يقاومون ويستمرون في نهجهم الخاص، يكتشفون شيئا فشيئا بأنهم باتوا منعزلين عن أقرانهم، فإما انعزال بمحض إرادتهم، أو من قبل الآخرين باسم غرابة التفكير والاختلاف، حتى وصل بهم الحال إلى الاستسلام والرضا بممارسة عادة الاستغباء، والذهاب إلى حيث يتواجد الناس بحثا عن الهدوء النفسي، والسلام الداخلي المزعوم!
أما أصحاب الصنف الثاني، فهم أولئك الذين وجدوا رقابهم مرهونة، وأياديهم وأرجلهم مكبلة بأصفاد القانون، ذلك بسبب توقيعهم على عقد ورقي منذ الصغر يربط ما بينهم وبين أسيادهم، ويشترط هذا العقد عليهم بالعمل والكلام والأكل والنوم وفق ما يرغب به السادة، وفي مقابل ذلك سيحصلون على بعض الفتات من رغيف خبزهم المسروق، إنه فتات لا يسمن ولا يغني من جوع، فقط يمكنهم من الاستمرار على قيد الحياة لا أكثر، وإذا ما أرادوا المغامرة في التمرد، فلن يتغير حالهم سوى للأسوأ، ومن الممكن جدا أن يفقدوا فتاتهم اليومي، بل وحتى حياتهم إلى الأبد، لذلك تجدهم يمارسون الخنوع بكل نظام ودقة وصرامة، حتى يخيل لك بأنهم مجرد معلبات تسير في متاهتها الميكانيكية بإحدى المصانع، دون أدنى عصيان أو خطأ، وإن تعطل شريط السير وسقطت إحداها رغما عنها، حتما سيكون مصيرها سلة المهملات والإتلاف!
لقد خلقنا الله سبحانه وأعطانا حق الحرية والاختيار، لذلك من الطبيعي أن نكون أحرارا بالفطرة وليس بالشيء الغريب، ولكن من غير المألوف أن يتم انتهاك حرياتنا باسم القوانين البشرية المصنوعة من قبل الأقوياء، تلك القوانين التي تتشكل حول الضعفاء منا كالسيوف الجاهزة للقصاص، لقد أصبحت رقابهم رخيصة، ودماؤهم مستباحة، وعقولهم مكبلة بالأغلال الفكرية، تلك الأغلال التي يتم صناعتها في المدارس والجامعات من قبل أولئك المجندين لهذه المهمة، منهم من يصنف بـ (الأستاذ)، ومنهم من يصنف بـ (الدكتور)، حتى ظهر أخيرا مجند جديد يصنف بـ (شيخ الدين)، وهو الذي يتخذ من الفضيلة طريقا مختصرا إلى المجد.
في النهاية أتمنى أن تجدوا أنفسكم، وأن تحتفوا بحرياتكم، فالحرية هي أغلى ما يملكه الإنسان، وكما قال نيتشه: امتلاك المرء لنفسه لا يقدر بثمن، وختمها راجيا: لا تبيعوا أنفسكم!

أضف تعليق