أقلامهم

رجال الدين انتهكوا عرض الليبرالية والسياسيون سجنوها .. ندين البدير : الليبرالية فطرة

ندين البدير

الليبرالية فطرة

عشرات الردود الإلكترونية سألتني الأيام الماضية: اشرحي لنا المقصود بالليبرالية؟ هل يسعى أصحابها لتشويه المجتمعات؟

من يسعى لتشويه من؟ هكذا تم تشويه مصطلح الليبرالية على يد الجميع. رجل الدين انتهك شرف الليبرالية وأهلها. السياسي أودعهم سجناً مفتوحاً فأصبحوا منعزلين ينبسون فلا يسمعهم أحد ولا يسمعون أنفسهم. رشق الليبرالية بأشنع الألفاظ أعجب السياسيين. استرجاع لمعركة السبعينات بين الإسلاميين والشيوعية. المجتمع لا يتوب. الحكومات تحكم بطريقة فرق تسد. الحكومات تشعل حروباً طائفية ومناطقية ودينية وأهلية. أشعلتها عدداً من المرات. المجتمع لا يتوب. اليوم تصدر أحكاماً شنيعة تقصي حقوق كل ليبرالي بممارسة حرية تعبيره كمواطن. والإسلامي يظن نفسه منتصراً. الإسلامي لا يتوب.

لا أحد يتعلم الدرس. كلنا كنا الطعم وكلنا دخلنا اللعبة.

الفرق أن الإسلاميين دخلوا اللعبة أقوياء أشداء. أما الليبراليون فلا يعرفون أسرار اللعب. لم يفسروا فكرهم ولم يبوحوا به. أسلموا عهدة الليبرالية للفكر المتشدد يشرحها ويفسرها ويزيفها عبر المنابر ووسائل الإعلام التي تركت له يسرح ويلهو بها كيفما شاء. لم يتحرك الليبراليون. كسلاً أو جبناً. غباء أو ضعفاً.

ماذا تعني الليبرالية؟

الليبرالية تعني الرجوع إلى الله.

الله حيث الفطرة البريئة، التسامح، التعاون، الغفران، الحرية، الإنصات، المساواة، الحب.

أن تكون ليبرالياً يعني أن تحب. من منكم ضد الحب؟ من منكم باستطاعته أن يكره؟

جرى تشويه كلمة ليبرالية حتى اقترنت بالخروج عن القيم والأخلاق والدخول لعالم همجي تسوده نزعات الجنس والجنس فقط.

كل طرق الحياة وكل التيارات الفكرية المعاكسة لرغبات السلطة تم تغيير معناها لتتحول لرمز فجور البنات وانفلات الشبان بشوارع الدعارة.. هكذا شرحوا للمجتمع الطريقة المحترمة التي كان يعيشها الناس في الماضي.

الليبرالية لا تعني الفجور ولا تعني التطرف. بل هي حرية الاختيار.

ألا تملك الحق باختيار دربك؟ من انتزعه منك؟

حقك بتقرير مصيرك هو أبسط حق يتمتع به أي مواطن عالمي.. إن كنت تعتقد أنك قاصر وجاهل وليس باستطاعتك تقرير ما تريد وما لا تريد فاتركهم يعبثون بحياتك وكن معادياً لنفسك وللفطرة التي تحمي أي مجتمع من الفساد والضياع. لم تكن الفطرة على مر التاريخ الإلهي تطرفاً واستعباداً وتسلطاً.. كانت رحمة وألفة وخيارات متعددة تسببت في نهضة حضارات لا حد لتقدمها رغم بدائية تاريخها.

إلى ماذا أوصلنا الابتعاد عن الفطرة؟ إلى حشر رؤوسنا بتفاصيل الحياة اليومية فقط.. حرام الطعام وحلاله. دعاء دخول المقابر. دعاء معاشرة الزوجة. تحريم العلوم والمعرفة والسفر.. لم ندرس كيف يكون المواطن خلاقاً وينهض بأمته؟ درسنا كيف يكون مطيعاً ويسجد لحاكمه.

الفطرة الإنسانية خلقت في العراء. لم تعرف الحدود. هذا هو الإنسان الأول. غارق في الطبيعة. منها استمد وحي الاختراع. وحين بنيت الحدود وأقيمت الجدران توقف كل شيء عن العمل. وتعرض الجميع لنوبة تنويم مغناطيسي أرغمت الجميع للتفكير بفكر أوحد. والإيماء بطريقة واحدة. وحلم واحد مصرح به للجميع.

هل أدت هذه الطريقة المخزية المهينة للوعي الإنساني لانتشار الفضيلة ومحو الفجور؟ على العكس

خذوا مثالاً بسيطاً. أيهما تتعرض فيه المرأة للمضايقة أكثر؟ شوارع الأحياء المنفتحة أم أحياء التشدد والمحافظة؟ كلنا نعرف الجواب.

أيام كانت الليبرالية هي السائدة لم تكن المرأة تتعرض للتحرش البذيء رغم لباسها الكاشف. كان الانفتاح الفطري يحميها من الشر الموجود بأي نفس.

هذا مثال آخر.. زمن الليبرالية، كان الحب هو السائد، وكانت الرومانسية منتشرة لا تحتاج لمن يفتش عنها. قصصها شحنت السينما بحب حقيقي، حتى تمثيله كان حقيقياً لأنه كان موجوداً لذا لم يكن تجسيده مرهقاً. وبعد عدد من الحوادث الشيطانية في الوسط السياسي العربي تم تحريم الحب.. الآن بدأت الجرائم تتوالى، وبدأ الفساد يعم، والانهيار المجتمعي يصل لأشد مراحله بؤساً.

انتشرت حالات الاغتصاب والتحرش والزيجات المخجلة التي اخترعها المخترعون المدافعون عن رذيلتهم.

هل تقنعكم مشاهد الحب في السينما العربية اليوم؟ أو حتى مشاهد القبلات؟ كلها تبدو رخيصة عند مقارنتها بمشاهد رومانسية الستينات العربية. وتبدو ضحلة عند مقارنتها بمشاهد الحب الأميركية الصادقة العفوية جداً، تبعث بك الرغبة لأن تحب وتعشق وتحلق. الرومانسية ما زالت موجودة هناك.

ليست الرومانسية بين الجنسين فقط بل بالحياة عموماً.

أن تكون رومانسياً فتفكر وتخترع وتكتب وتمثل وتحب دون شروط أو قيود أو حرام أو عيب. هذا هو سر إبداع الغرب وإبداع العرب والمسلمين أيام النهضة الإسلامية والعربية.

ابن رشد كان ليبرالياً. الأصمعي. أبي العلاء المعري. عمر الخيام.محمد عبده. رفاعة الطهطاوي. طه حسين.

وأغلب الخلافات الإسلامية الأولى كانت خلافات ليبرالية منفتحة على العالم. لم تكن متطرفة تشنق المفكر وتحكم على المبدع بالردة والكفر.

يخافون من الليبرالية الاجتماعية خوفاً من ليبرالية سياسية تمنح المواطنين الحقوق والحريات وتحترم الأقليات وتحافظ على شعائر كافة الأديان والأطياف. سياسة فرق تسد لا يعجبها هذا الوئام. تقرر باستخدام التطرف من المؤمن ومن الذي حق عليه تدمير أوثانه ومعبده.. تشتعل الدنيا وينشغل الناس ببعضهم ويبقى السياسي هناك يتفرج على مهزلة وطنه. وبعد أن كانت الشعوب تدفع حياتها ثمناً للحرية، اليوم تدفعها ثمناً للقيود والأغلال. لا أصدق شخصا يطالب بحرية سياسية ويمنع عن نفسه أي حريات اجتماعية أو دينية. يغش الآخرين. يخدعهم بحجة الدين.

حرية الاعتقاد لا تعني الإلحاد.. بل قد تدفعك دفعا إلى الله لأنك وقتها ستكون وحيدا معه دون عصا تجبرك على عبادته وتخرجك للصلاة مرغما تحفظ الدرس دون أن تسرح بالملكوت، تدقق في الشكليات وتنصرف عن عمق هذا الكون.

وحرية السلوك لا تعني الفجور. بل تعني تهذيب النفس والمسؤولية في التعاطي مع الآخرين واحترامهم.

يوسف ابن شقيقتي طفل جميل ومرفه لا يمكنك إلا أن تحبه.. رغم أنه لا يهدأ عن الشقاوة والتنطيط هنا وهناك.. أحياناً يكون مزعجاً بسلوكه المدلل. أعطيته مرة درساً طويلا ملخصه: يوسف لن أمنعك من التصرف كإنسان الغابة، افعل ما تشاء. كن مؤدبا أو شقياً. انت المسؤول عن نفسك لأنك كبرت ولم تعد صغيرا كأختك الرضيعة، انظر لفارق الطول بينكما. انت عاقل ومدرك. انت حر. تركته يفعل ما يشاء وصمت مكتفياً بهز رأسه، فجأة صار الولد الشقي في منتهى الدعة والانضباط والمثالية والمسؤولية. يعيد ويكرر متباهياً وبفرح عبارة: أنا حر.

هذا مثال ساذج من الطفولة حين تتعاطى معها بليبرالية.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق