أقلامهم

حسن عباس: كل من يثق بالمحكمة الدولية إما أنه مغفل وساذج وسطحي أو أنه موضع تشكك وريبة وعدم الثقة

حسن عبد الله عباس

قرار الاتهام لـ «حزب الله»

على المستوى النظري لا يوجد عاقل وصاحب ضمير حي يرفض فكرة المحاكمة ومبدأ تحقيق العدالة، فمن غير المنطقي ألاّ يوافق أحد على المحاكمة المتعلقة بالشهيد رفيق الحريري. هذا الامر مفروغ منه والجميع متفق على ضرورة ملاحقة الجناة وجلبهم للعدالة. هذا صحيح، فعلام الاختلاف والتنازع حول المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان إذاً؟

كما قلت بأنه وعلى المستوى النظري والقيمي فنعم وبلا شك هذا مطلب الجميع لو كان الأمر قضائياً بحت. لكن وهنا مربط الفرس هل حقاً نصدق بأن الموضوع قضائي بحت، هل المحكمة الجنائية سارت وتسير بمعزل عن السياسة؟ أظن وكما اننا جميعاً متفقون على ضرورة تطبيق العدالة، كذلك من السذاجة الشديدة أن نصدق بأنها محكمة بريئة وأساسها قضائي خالص!

فللبنان طعم سياسي خاص ومميز. فمعروف أن عشق السياسة للبنان وعلى الساحتين الداخلية والخارجية أعلى بكثير من نمط حب «إيروس» لدى رئيس الوزراء الايطالي برلاسكوني للصبايا. فالشعب اللبناني يمتاز بأنه يحمل في ذاكرته حرباً اهلية، ويزاول حياته يومياً بأجواء طائفية ومذهبية، وجغرافيته كسلطته موزعة قومياً ودينياً، واراضيه مستحلة بقرارات ومظلة دولية، ولأحزابه امتدادات إقليمية، وساحته حرب بالوكالة، وأراضيه مازالت مغصوبة، وجاره إسرائيل الاكثر انتهاكاً للقوانين الدولية وهو الكيان الذي دخل في حروب عدة ومازال، فهذا لبنان وبرغم التعقيدات ومع ذلك نريد أن نحسن الظن ونقول بأنها محكمة دولية عادلة وعلى لبنان أن يقبل ويعيش باستقرار!

بصراحة كل من يثق بالمحكمة الدولية ويتوقع منها الانصاف والعدالة إما أنه مغفل وساذج وسطحي أو أنه موضع تشكك وريبة وعدم الثقة! وإلا كيف ستجد العدالة والمحكمة سلكت طريقاً من البداية بالتجاهل التام لملف الجواسيس، وتجاهلت منذ البداية إسرائيل وأخرجت العدو اللدود والمتربص بلبنان السوء ورمت وراء ظهرها جميع القرائن التي تومئ بتورط كيان جاسوسي شيطاني امتاز وامتهن عمليات اغتيال النشطاء في جميع بقاع الارض من دبي إلى الكويت إلى المغرب وأي بقعة في العالم، وكيان لا يستحي حتى من التجسس على أقرب المقربين له كأميركا واوروبا، فكيف يُستثنى وهو أكبر مستفيد من تدهور السلم الأهلي اللبناني! فهل يُعقل أن نصدق بأن القضاة على هذه الدرجة من السطحية!

المشكلة مع المحكمة تعود بالأصل إلى جذور تأسيسها وقبل ان نتابع عملها القضائي ونعرف ما الذي ستتوصل إليه وما الذي ستكشفه التحريات. فهي بالأصل قامت من خلال فرض دولي على الدولة اللبنانية ولم تأت بإقرار وبتسليم داخلي وباتفاق محلي. فبعدما يئست الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة من إصدار قرارها بشأن تأسيس المحكمة، تحايل فريق 14 آذار على الدستور اللبناني باللجوء إلى حيلة الفصل السابع وأقرت المحكمة حينها وبتواطؤ دولي واضح ومكشوف. فكيف ستكون المحكمة برمتها ومنذ لحظة تشكلها أن تحظى بالاحترام إن كان تاريخ تأسيسها قد مر بهذا الشكل وبنزاع داخلي وصل لحد التقاتل والتشفي! فمحكمة بهذه الصيغة وبهذه الكيفية لا يمكن أن نتوقع لها غير ما وصلت إليه باتهامها لأعضاء في «حزب الله» كونه الحزب المقصود منذ اليوم الأول وقبل المرور بتمثيلية «التحقيقات»!

Copy link