أقلامهم

أحمد الديين يتحدث عن رغبات حكومية بتشديد عقوبات النشر الإلكتروني

حبس الانترنت… «شحدا ما بدا» ؟!  
  أحمد الديين
يوما بعد يوم تكشف السلطة عن مدى ضيقها وانزعاجها من الهامش النسبي المتاح للحريات العامة، فقد سبق لها أن حاولت تضييق الخناق على حرية الاجتماعات العامة، وأحالت إلى مجلس الأمة مشروعين بقانونين لتشديد العقوبات المغلّظة بالأصل في كل من قانون المطبوعات والنشر وقانون الإعلام المرئي والمسموع، وقد أنجزت أجهزتها قبل فترة مشروع قانون يقيّد حرية النشر الإلكتروني ويفرض عقوبات مشددة على المدونين، هذا بالإضافة إلى ما سبق من محاولات سلطوية لتجريم حقّ الإضراب عن العمل الذي تكفله الاتفاقات الدولية، وما شنّته السلطة في العام الماضي من ملاحقات سياسية تحت غطاء قانوني ضد معارضيها، وذلك قبل أن تتراجع عنها في فبراير الماضي تحت ضغط التحوّلات التي شهدها الوطن العربي.
 والغريب الآن أنّ السلطة عادت إلى استئناف بعض جوانب من نهجها غير الديمقراطي فشنّت ولا تزال حملات لملاحقة المدونين أمنيا وقانونيا… وإذا كانت السلطة قد اعتقلت في شهر يونيو الماضي المدونين ناصر أبل ولورنس الرشيدي وأحالتهما إلى أمن الدولة وسط جو من التواطؤ والتحريض، فإنّ السلطة وفق المعلومات المتواترة تتجّه هذه الأيام إلى اتخاذ إجراءات أشد ضد الكاتب والمحامي الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم، الذي سبق لها في العام الماضي سجنه وملاحقته سياسيا أكثر من مرة على خلفية مقالاته المنشورة في الصحافة أو على موقعه ومشاركته في ندوات عامة انتقد فيها رئيس الحكومة ونهجه السياسي، إذ تواترت أخيرا معلومات مؤكدة عن مكاتبات رسمية متبادلة بين الأجهزة الحكومية لملاحقة الجاسم مجددا على مقالة له نشرها قبل أيام على موقعه الإلكتروني على شبكة الانترنت “ميزان” مع اقتراح بحجب هذا الموقع، وهو إجراء خطير غير مسبوق تجاه موقع كويتي للرأي، حيث حاولت السلطة تنفيذ مثل هذا الإجراء غير الديمقراطي وأصدرت قرارا بحجب الموقع في مثل هذه الأيام من شهر يوليو من العام 2005 ثم تراجعت عنه بعد انفضاح أمره… فهل يُعقل أنّ مثل هذا الإجراء غير الديمقراطي الذي كان من الصعب تنفيذه قبل ست سنوات، أصبح اليوم ممكن التنفيذ بعد كل ما شهدته الكويت من أحداث؛ وبعد كل ما جرى في الوطن العربي من انتفاضات شعبية وتحوّلات ديمقراطية؟ أم أنّه العناد وقصر النظر وسوء تقدير العواقب؟ أم لعلّ هناك أمرا مستجدا لا نعلمه يمنح السلطة ضوءا أخضر في التصرف؟!
ولئن كان من الطبيعي أن تثير مثل هذه الإجراءات السلطوية غير الديمقراطية استياء المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان تجاه تراجع مستوى الحريات في الكويت، فعلى سبيل المثال فقد صدر بيان في 13 يوليو الجاري عن جو ستورك نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “هيومن رايتس ووتش” لمراقبة حقوق الإنسان عبّر فيه عن قلقه تجاه “المستوى المنخفض الجديد في الكويت باعتقال الناس لمجرد نشرهم انتقادات للحكومات على شبكة الانترنت”؛ وأكّد رفض المنظمة “الملاحقة الجنائية لمجرد الكلام”، وطالب الحكومة الكويتية “بالكف عن توسيع القمع إلى عالم المواقع الاجتماعية الإلكترونية”… فإنّ الأمر غير الطبيعي يتمثّل في مفارقة أنّ السلطة ذاتها التي اعتادت أن تنفق مئات الملايين لتحسين صورتها على الصعيد الخارجي في حملات “العلاقات العامة” تتصرف الآن وكأنّها لا تدرك مقدار الضرر الكبير والأثر السلبي على سمعة الكويت عندما تبدي المنظمات الدولية قلقها وتعبّر عن استيائها تجاه تراجع مستوى الحريات فيها… وهذا يعني أحد أمرين، فإما أنّ هناك رسائل تطمينات وردت من الأطراف المتنفذة في الغرب وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية تشجع السلطة على مواصلة السير في نهج التضييق على الحريات، وربما لتوريطها، أو أنّ السلطة تتصرف بانفصال تام عن الواقع حيث لم تعد تمتلك الحسّ السياسي في تقدير الأمور وتوقّع العواقب… والاحتمالان يثيران القلق!
 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق