أقلامهم

خلود الخميس: أمام “إخوان مصر” اربع سنوات.. هل تكون قراراتهم عقائدية؟ أم يديرون مصر بالفكر المدني؟

حكم «الإخوان»!

خلود عبدالله الخميس
بفوزالدكتور محمد مرسي برئاسة مصر بعد ستين عاماً من حكم الضباط بالانقلابات وبصب النار على الحديد ليلين أو يتشوه. يدخل العالم كله وليس العربي فقط تاريخاً جديداً. سيتم رسم جغرافيا مختلفة. ويكتب تاريخ مختلف.
فظلم ستة عقود وما يزيد. يعرفه المصريون فقط. ولمسوه في حياتهم اليومية. على تفاصيل وأساسيات معيشتهم من غذاء وسكن وعمل. وعلى كرامتهم وممارسة حرياتهم. بينما أولئك المتشدقون عباد مصطلحات هم لا يعرفون كنهها ولا ممارستها مثل «القومية العربية» و «الأمة العربية» و «الوحدة بين الشعوب»؛ وذلك لأنهم من الطبقة التي تنعم بما يسمى Political luxury وأقرب ترجمة لها «الرفاه السياسي»!
وهذه الطبقة هي سبب في ظلم الشعوب. اقرؤوا الجملة السابقة جيداً. نعم الطبقة التي تمتلك ثمن الرفاه السياسي. هي الطبقة التي تسببت في تكريس الطبقية في المجتمعات كلها، وليس المجتمع المصري فحسب. ولكن حديثنا اليوم عنه وكيف لحكم جديد من عمق الشعب. أن يصنع المستحيل. ويبعث المعجزات لسطح التغيير السياسي في العالم!
الطبقة النخبوية المتحكمة في العمل السياسي في مصر. لها خاصية البقاء. فالملكية لما أسقطها العسكر جاءت بعامي من الفلاحين للحكم، ولكن بقيت طبقة النخبة السياسية لم تتزلزل رغم اقتلاع الزلزال ذاته جذور أركان الملكية!
فإن كانت الملكية سقطت بقيت مسوغاتها، وهذا يشبه أيضاً بمصطلح عام مع اختلاف التفاصيل النخبوية التركية والدولة العثمانية وانتقال تركيا للعلمانية ثم عودتها لأحضان قيم الدولة الإسلامية بامتطاء الدستور العلماني. وللتجربة التركية تفصيل جميل في شأن التغير الدرامي للحكم وثبات النخب السياسية قد نكتب عنه لاحقاً.
شعب مصر يفتح صفحة جديدة في رؤيته للحكم، يثورعلى تراكم الفساد على المستويين السياسي والمؤسسات وهيئات الدولة، وقد بلغ الحناجر وسدها عن مرور الماء ورغيف الخبز، وجعلهم سكان مقابر وعشوائيات، وحتى الفقر صار غنى مقارنة بحال نسبة لا يستهان بها من الشعب! فخرج الشارع لم يجد لا في الحكم ولا السياسة ولا القانون إنصافاً. فخرج الشارع، لم يفكر بدين وطائفة وطبقة، بل شد أزر بعضه ليسكن التحرير قد يأخذ من اسمه قبساً، ويكون مفترق التحرير بدلاً من ميدانه، فكان له ما أراد. ونُصِر.
لم يكن الدستور حامياً للشعب، وكان سبباً ومبرراً لتكريس السلطة المطلقة الفاسقة ضد مفردات الحكم الرئيسة، والتي تجعل الشعوب مفوِّضاً والحاكم مفوَّضاً، ولكن التبييت للعب بالدستور، وإعلان نية توريث الحكم قلبت العسكر على الحكم، وذلك عبر وقوفه إلى جانب الثورة بتمسكه بالحياد، وما الحياد بالنسبة للمؤسسة العسكرية المصرية إلا موقف بحد ذاته مع الثورة ضد الحكم، والاختلاف كان على ما بعد إزاحة النظام.
وكل تابع التجاذبات التي حدثت في الانتخابات المصرية بين العسكر والتيارات المختلفة، وقد أشبعت عرضاً، لذا سنتركها ونقفز للنتيجة: حكم الإخوان المسلمين.
الإخوان تيار فكري إسلامي سني يحصل على دعم شعبي ليكون على رأس السلطة في دولة تمثل العمق الاستراتيجي العربي، كيف سيدير مصر داخلياً وخارجياً في أشد الحقب حرجاً في المنطقة لهذا القرن؟
هل سيكون نهجهم الإصلاحات الداخلية بين تكريس مؤسسات سياسية نزيهة بتعديل القوانين، والالتفات للحياة الاقتصادية للمواطن المصري، وتقليم أظافر العسكر تدريجاً، مع سياسة خارجية متوازنة غير راديكالية، وذلك أقرب إلى حد ما للنموذج التركي، رغم أن الأخيرة اضطرت لمواجهات لم تخترها مثل العرقلة المستمرة لعضويتها في الاتحاد الأوروبي، وازدياد توتر العلاقات مع إسرائيل بعد العدوان على أسطول الحرية الذي بدأ من موقف تركيا من حصار غزة، وأخيراً قبل يومين إعلان العداء لحكم الأسد.
أم سيركز الإخوان على السياسة الخارجية لاستعادة البوصلة العربية لمصر، وذلك يتطلب مواقف واضحة مع نظام الحكم في إيران والأطماع التوسعية للدولة الصفوية الممتطية الإسلام الشيعي والحامية له، وحليفها النظام الأسدي وحلفائه روسيا ودعم حماس السنية لالتقاطها من أحضان مساعدات إيران، وفتح رفح واستبدال «كامب ديفيد» بعهد يليق بحكم ذي مرجعية إسلامية والمواجهة مع إسرائيل وحليفتها أميركا؟
أمام «الإخوان» أربع سنين كل بها وبهم متربص، وهناك سلسلة من التعقيدات التي تجعل العلاقات الدولية تحدياً صارخاً أمام حكمهم، فهل تكون قراراتهم عقائدية، أم ستدير مصر بالفكر المدني، والأرجح بالطبع الجمع بين الدين والدولة المدنية، خصوصاً أن المؤسسة العسكرية صوتها وإن كان غير معلن لمن يمكنها الإملاء عليه. وقد رسب، لذلك لن يأمنوا مخالبهم!
لن يكفي مقال أو أكثر لتفكيك معضلة كيفية حكم الإخوان المسلمين لمصر، ولكن حسبنا أن الشعوب المسلمة غالبيتها استطاعت في العالم العربي أن تنصب من يمثلها حاكماً، وهذا أول الغيث، ولعله يكون سُقيا رحمة.
Copy link