أقلامهم

مقال ساخن
“طريقة” جابر العلي!

“طريقة” جابر العلي! 
“سعادة الشيخ جابر العلي الصباح: أنا آسف أن أحمد تكلم وتطرق إلى مواضيع تمس البلاد وكنا نود ألا نسمع مثل هذه المواضيع التي تطرق لها حسب تقاليدنا الخاصة وظروفنا الحاضرة. ومسألة إنكار حقوق الأمراء والشيوخ في حقهم في الحكم. هل هذا جزاء لأن الشيوخ خدموا هذا البلد في كل مرفق من مرافقها، إنهم ينفصلون عن الشعب وتصبح كل فئة لوحدها. وأنا أريد أن أسأل: هل الشيوخ خونة متآمرين حتى يبعدوا عن الحكم. هذا الكلام الذي قاله أحمد يثير أعصابنا وما نستطيع تحمله، فأنا أطلب من المجلس مناقشة هذه المادة وإعطاء رأيه فيها. وإلا فلنا طريقة أخرى”.
و”أحمد” المقصود في الفقرة السابقة هو الدكتور أحمد الخطيب، أما المناسبة فكانت مناقشة المجلس التأسيسي لنص المادة (56) من مسودة الدستور التي تنظم تعيين رئيس مجلس الوزراء والمشاورات التي يجريها الأمير. فعند مناقشة هذه المادة، أثار الدكتور أحمد الخطيب موضوع “الملكية الدستورية” وضرورة ابتعاد الشيوخ عن الوزارة، مما أثار غضب الشيوخ، وكادت أن تحدث أزمة سياسية كبيرة.
حدث ذلك في شهر سبتمبر من العام 1962، ويوم أمس نظمت حركة شبابية ندوة عامة في “ساحة الإرادة” كانت مخصصة للترويج لفكرة “الإمارة الدستورية والحكومة المنتخبة”، وقد رفعت لافتة كبيرة بهذا العنوان، وقبل ذلك بأيام قليلة أعلن مسلم البراك انطلاق مسيرة “الإمارة الدستورية” من “ساحة الإرادة” بحضور نحو عشرة آلاف شخص صفقوا كثيرا لهذا الإعلان وهتفوا.
ويبدو لي أن الأمور تتجه صوب تطبيق النظام الدستوري تطبيقا صحيحا، ولن يمر وقت طويل كي تشهد الكويت منهج “الإمارة الدستورية”، فالدستور الحالي تبنى فعلا فكرة “الإمارة الدستورية”، فهو لم يتعامل مع الشيوخ كمؤسسة حكم أو كعائلة مالكة، بل اكتفى بمنح الإمارة لشيوخ ذرية مبارك الصباح، ولم يمنح الشيخة أمثال الأحمد أي سلطة لتصدر “العمل التطوعي”، كما لم يمنح أبناء الشيخ فهد الأحمد أي سلطة على الرياضة.
وقد سبق لي في أكثر من مقال أن بينت أن شؤون “الإمارة” تختلف عن شؤون “الحكم والإدارة” من الناحية الدستورية النظرية، “فالإمارة” تعني “رئاسة” الدولة لا “إدارة” الدولة، وإذا كان الدستور قد منح ذرية مبارك الصباح”الإمارة”، فإنه منح الشعب “الإدارة”. وقرر الدستور أن يجعل ممارسة رئيس الدولة سلطاته بواسطة الوزراء وليس بنفسه، لذلك نأى به عن المساءلة السياسية ومنحه حصانة كاملة وجعله حكما محايدا بين السلطات، فيما أباح مساءلة ومحاسبة وإقصاء ومحاكمة الوزراء ورئيس مجلسهم.
إن السلطة الواقعية للشيوخ في العهد الدستوري تفوق سلطاتهم الدستورية فيما زاد عن رئاسة الدولة وولاية العهد، ومن الواضح أن هذا الوضع لن يستمر طويلا، وأرى أن الكويت تتجه نحو تطبيق “الإمارة الدستورية” في العهد القادم على أبعد تقدير إن لم يكن قبل ذلك، ولا أظن أن لدى الشيوخ “طريقة أخرى” التي أشار إليها الشيخ جابر العلي قبل 50 عاما، وكل ما لديهم في تقديري هو محاولة تأخير بلوغ تلك المرحلة، فالواقع يتغير والأحوال تتبدل على نحو يفوق قدرة الشيوخ على اللجوء إلى “طريقة أخرى”، بل أن بعض قراراتهم وتصرفاتهم تعجل المسير في الاتجاه المضاد لرغباتهم كما حدث في مرحلة الشيخ ناصر المحمد الذي كان مشروعه استرداد “هيبة الشيوخ” وتعزيز سيطرتهم على مجلس الأمة، فكانت النتيجة أن تم إجباره على التخلي عن منصبه من خلال حركة احتجاج شعبية غير مسبوقة في تاريخ الكويت قضت على مستقبله السياسي بعد أن استهلك الكثير من الرصيد الشعبي للأسرة.
إن التغيير قادم لا محالة، والمسألة مسألة وقت لا أكثر. فالسلطة الفعلية للشيوخ سوف تتقلص بما يتفق مع النظام الدستوري القائم، وسوف يتحقق ما دعى إليه الدكتور أحمد الخطيب قبل 50 عاما، لذلك فإن الحكمة تتطلب وقف البحث عن “الطريقة الأخرى” التي أشار إليها الشيخ جابر العلي ومحاولة التأقلم مع التغيير واستيعابه، ولا داعي لأن تثور الأعصاب، فأن تساهم في التغيير أفضل من أن تقف في وجهه.
إن كرامة الشيوخ تهمنا جميعا، ولا نريد لهم ولا نتمنى تعرضهم للتجريح السياسي إطلاقا، فالشعب الكويتي والشيوخ في قارب واحد، والدستور هو بوصلتنا جميعا، وبواسطته نستمر في أمن وأمان.. هذا إذا احتكمنا إليه.
Copy link