آخر كلام: الاستقرار السياسي متعذِّر.. يجب تغيير المعادلة
جاسم محمد الشمري
ليس من مؤشر واضح على ان التأزم السياسي في طريقه الى التحلحل خلال المرحلة المقبلة بل وربما كان الأمر يشي بشيء من الضبابية وربما يتجه الى الأسوأ ليس لأن لا رغبة عند الأطراف المتصارعة في سيادة الاستقرار وانما لأن النظام السياسي الذي كان يتسع للمتصارعين في ما قبل لم يعد كذلك خلال هذه المرحلة والمرحلة التي تلتها.
فيما مضى كانت السلطة قادرة على تحييد من تشاء الى صالحها لأن المعادلة السياسية حينها كانت تسمح بذلك ربما لأسباب عدة كان أبرزها ان الوعي لم يصل الى الحد الذي ينفصل به السياسي عن المعطيات الاجتماعية التي تحكمه في محيطه من جهة ومن جهة أخرى لم يكن الطموح عند كثيرين يتجاوز سقف اعتلاء المنصب للوجاهات الاجتماعية وكنز الثروات وهو ما كانت السلطة حينها توفره لمريديها ومواليها وفق معادلة : لنا الادارة ولكم الحظوة.
هذه المعادلة للحكم كانت توفر ديموقراطية تحتكم الى الصناديق ولكنها في أصلها عشائرية تعلي من شأن الحاكم دون غيره ولا تعير بالا للمحكوم أو الرقعة المحكومة الا بالقدر الذي توفره من مغانم وربما هذا ما كان يغيظ القلة المعارضة حينها التي كانت تنادي بتأسيس دولة مدنية قائمة على العدالة الاجتماعية وارساء مبدأ شركاء في الثروة لكم الادارة ولنا المحاسبة وهو ما لا يستقيم مع النمط العشائري القائم على ان الحاكم هو المتصرف بكل شيء ولا معقب لأمره وربما لذلك يتباكى الديمقراطيون على ان مشروع بناء الدولة بدأ بالانحراف منذ ان استخدمت السلطة سياسة تكثير الأتباع واشباع الرعية بالمنح والعطايا والهبات بتمنن ليستشعر هؤلاء الفضل فلا يحيدون عن نهجهم.
مشروع الدولة الذي توقف من عقد السبعينيات كان من الممكن ان يقفز بالكويت الى مصاف الدول المتقدمة لو ان السلطة حينها فهمت الا تعارض بين مشروع الحكم ومشروع الدولة وأن التطور التاريخي الذي بدأته باعتماد الدستور كان يحتاج الى ايمان دائم به يرسخ دولة المؤسسات وحينها ليس من الوارد نشوء صدام متوقع بين السلطة والقوى السياسية طالما ان هناك توافقا بين الطرفين على انسيابية الادارة وتحقيقها طموحات مواطنيها.
ما حدث في الكويت ان السلطة انشغلت بمشروع الحكم عن مشروع الدولة فتوقف البناء وتجمدت الأوضاع عند حدود خطوط التحديث الأولى التي بدأت مع اعتماد الدستور وبدأت الكويت في عقودها اللاحقة بالأكل من رصيد السنوات الأولى الى ان وصل الأمر الى ان يستيقظ المواطنون على حقيقة مرة مفادها ان ما حولهم لم يعد كما كان وأن من كانت في الصدارة تراجعت الى مراتب متدنية في سقف التطور والبناء البشري والعمراني وحتى لا تتحمل السلطة وزر ذلك التراجع كان لابد من مشجب تعلق عليه هذه الأخطاء فحملت بمجملها على الوعي القاصر للديموقراطية المحلية التي حالت بمماحكاتها دون ان تعتمد الدولة خطة تنموية واضحة المعالم والأركان.
في جزء منه كان هذا العذر مقبولا اذ ان سياسة خلق الأتباع في البرلمان حالت دون ان تقوم السلطة أخطاءها اذ ورغم كم الانتقاد الذي ووجهت به من قبل القلة المعارضة وعلى مدى سنوات مستمرة الا ان ذلك كان يُقرأ من قبلها على انه محاولة لتقليص نفوذها وهي قناعة باتت عرفا سياسيا واضحا حتى في سنواتنا هذه اذ ما ان يصار الى تقديم مساءلة لوزير ما حتى تسارع الحكومة الى الاعلان عن دعمها لوزيرها الكفء المخلص النشيط نظيف اليد والذمة دون ان يستدعي منها التحقق من حجم الاتهامات التي تنسب اليه وتسلم دوما بأنها «استمعت الى ردوده وأنها مطمئنة الى ما ورد فيها» لتستمر معزوفة الفساد والتراخي في مفاصل الدولة المختلفة وتترهل الادارة ويصيبها الوهن وأمراض لم يعرفها مجتمعنا من قبل كالرشوة والاختلاس والمشاريع «المضروبة» وهي تلك التي استخدمت فيها أرخص الخامات بأعلى الأثمان. غير ان تحميل البرلمان مسؤولية الاختلال كاملة ليس منطقيا اذ ان الحكومات المتعاقبة التي كانت تعمل على توفير غطاء نيابي لها لم تستثمر هذا الغطاء في إحداث نقلة نوعية في هيكلة الدولة والمجتمع وكانت تركز عوضا عن ذلك على تفتيت المعارضين بتقريب أطراف واستبعاد أخرى ربما لتصل الى نسبة الـ 99 في المئة التي عرف بها العرب غير انها في حقيقة الأمر لم تكن تحتاج ذلك اذ لا يختلف المواطنون على الولاء للأسرة الحاكمة ولا يرضون لها بديلا في الحكم وكان الخلاف الاساسي على طريقة الادارة وليس على مبدأ الحكم وبالتالي عمدت السلطة دوما على تكريس منطقها في الادارة القائمة على تجييش الأتباع لا أكثر من ذلك رغم ما يحمله هذا النهج من افساد النخب ابتداء وافساد القواعد انتهاء.
اذن ما هو الحل؟
السؤال ليس هينا في محيط متلاطم من التربص والشك في النوايا غير ان القبول باستمرار الوضع على ما هو عليه سيرفع الكلفة السياسية على الدولة وستدفع من عمر تطورها زمنا لا بأس به ولن يعوض وبالأخص عند تراجع الايرادات والعوائد المتحققة للدولة وعليه فان الادعاء بأن النظام السياسي القائم على الانتخابات الحالية لن يكون مجديا في وأد حالة الاحتقان طالما انه عمل قائم على الفرد وليس عملا جماعيا وعليه فانه ان لم يصر الى اعتماد نظام القوائم الانتخابية المتأسسة على برامج عمل واضحة فان أيا من شيء آخر لن يكون مفيدا وتكرار الخطأ مرتين لن يعطي نتيجة مختلفة. اعتماد نظام القوائم الانتخابية يستدعي اطلاق النظام الحزبي وهو لن يكون مثاليا ان لم تعمد السلطة الى التصالح مع فكرة ان الديموقراطية بتجردها تعني المشاركة في ادارة الدولة وبالتالي ربما لا تتنازل في مرحلتها الأولى عن الامتيازات المطلقة المتاحة لها حاليا غير انه يمكنها التفاوض على حلول وسطى يمكن لكل الأطراف القبول بها.


أضف تعليق