أقلامهم

عبداللطيف الدعيج: بعد خمسين سنة لا يزال نظامنا الديموقراطي مع الأسف تجربة في نظر التنظيمين!

لا تحصنوا السلف والتلف
عبداللطيف الدعيج


الديموقراطية المشوهة هي الديموقراطية التي يتم التقييد فيها على حرية الرأي وتقليص إمكانية التعبير عنه ووضع قيود على نشره. وهنا في الكويت نحن يتم تدريبنا من الصغر على أن الرأي ليس حقاً فردياً أو ممارسة شخصية، بل هو.. رأي الدين والسلطة والجماعة وفي النهاية الناس أو «العيب والعدل». وإن تبقّى شيء، وعادة لا يتبقى، فهو رأي الفرد وتصوره. وإن اختطف هذا الفرد رأياً أو وضع بالصدفة تصوراً، فإن التعبير عنه أمر آخر، يخضع لقوانين وتحكمه عادات وتقاليد «المدح والقدح» وأعراف التوقير والتبجيل التي يتمتع بها إلى حد ما الجميع. وحتى إن تمكَّن هذا الفرد بقدرة قادر على أن يُكوّن رأياً ويعبر عن فكرة، فإن نشر هذا الرأي أو الفكرة أمر آخر. فالنشر هنا محظور على الكل، وتوفره السلطة للقلة، إذ تنظمه قوانين وتحدد ممارسته شروط صارمة، مما يحوله إلى امتياز للنخبة فقط وليس حقاً لكل الناس.
أتمنى أن يدرك من يدعو إلى إشهار الأحزاب من ناشطينا هذه الحقائق، وبالذات المنبر والتحالف الديموقراطيان اللذان انضما إلى المنادين هذه الأيام بإشهار الأحزاب كوسيلة «لاستكمال التجربة الديموقراطية»، بالمناسبة بعد خمسين سنة لا يزال نظامنا الديموقراطي مع الأسف تجربة في نظر التنظيمين! إن حرية الرأي والتعبير والنشر بالكاد توجد في الكويت. وإذا وجدت، فهي لنقد الدولة والحكومة وشتم بعض رموز السلطة وليست تعبيراً حقيقياً عن الرأي في العادات والموروث والأطر التي تحدد السلوك العام. إن كل شيء، عدا الحكومة والدولة، محمّي في الكويت، ولا يمكن التعبير عن الرأي فيه أو الإعلان ولو بخجل عن عدم استساغته أو تقبله. هذه حقيقة، مع الأسف كثيرون وأولهم المطالبون بإشهار الأحزاب لا يعونها أو لم يستوعبوها بعد. إذا كنت تعتقد أن سياسياً ما حرامي فأنت ليس بإمكانك أن تعلن أو بالأحرى أن تعبر عن ذلك، وإذا كان لك رأي في سياسي آخر بأنه جاهل فإنك لا يمكن أن تعلن عن هذا الرأي، والحال كذلك إن كان لديك شك في أن فلاناً يكذب فأنت غير قادر حتى على اتهامه بالكذب.
حالياً، نحن «ماخذين راحتنا» في نقد الجماعات السياسية، أو شتمهم وسبهم وفقاً لقانون الجزاء. هذه «الراحة» ليست أصلية وليست وليدة توافر حرية التعبير كما يبدو على السطح، بل هي نتاج غياب التوصيف أو التعريف الرسمي والقانوني للجماعات التي ننتقد. ليس في إمكان – على سبيل المثال – الحركة الدستورية أو التكتل الشعبي أو المنبر الديموقراطي أن يرفع أيّ منها قضية ضد مناوئيها لأنها ليس لها صفة رسمية أو حتى وجود عند القضاء والقانون. لهذا نحن «ننتقد» أو نجرح وبالمناسبة التجريح في الأشخاص مجرم عند القضاء، بينما هو مباح في دستورنا، حيث يحق للنواب تجريح رئيس مجلس الوزراء بكبره. هذا ما عنيته أعلاه من أن كل شيء مصان عدا السلطة في الكويت. نعود لموضوعنا، ليس في إمكان الجماعات السياسية رفع دعاوى أو الاعتراض على انتقادها لأنها ليست مشهرة أو معترفاً بها قانونياً. لو تم إشهارها وفق ما يتطلع إليه البعض، فإن قانون الجزاء وقانون المطبوعات سيوفران لها الحماية، وسيتعرض كل من ينتقدها إلى الحبس والغرامة.
هذه الجماعات.. والدينية منها بالذات، تسعى إلى أن تعيدنا ألفاً وخمسمائة سنة إلى الخلف، لكن إن أنت أطلقت لفظ «متخلفين» عليهم يجرمك ويسجنك ويغرمك القضاء. يجرونا مئات السنين إلى الخلف ويعترضون إن نحن أطلقنا عليهم التسمية التي يستحقونها وهي: متخلفون ورجعيون!
أنا لا ألوم القضاء أو القانون هنا كما يبدو، فالموقف من الحريات هو إرث ومفهوم اجتماعي يخضع له القضاء مثل ما يخضع له الكل هنا. لهذا المطلوب ليس تغيير قوانيننا فقط، بل المطلوب تغيير نظرتنا إلى النقد وإلى من يستحقه. فإن أطلقت لفظ جاهل أو كذاب أو خائن على شخص لأنك على خلاف شخصي معه أمر، وإن أطلقت الكلمات ذاتها على سياسي يريد أن يملي عليك سلوكك وأسلوب حياتك كناشطي السلف أو التلف أمر مختلف تماماً.
ليس في الإمكان التعبير عن الرأي من دون تناول شخص ما بالنقد السلبي. ولا يمكن على الإطلاق نقد أي إنسان من خلال مدحه. النقد يعني التجريح، والتجريح يجرّمه القانون هنا، فنحن نتربى على أن نكون قنوعين وقابلين أو بالأحرى خاضعين للأمر الواقع أو للموروث والتقليد بشكل أصح. لهذا، فإننا قبل المطالبة بإشهار الأحزاب أو الحكومة الشعبية مدعوون إلى إطلاق الحريات وإلى السماح بالنقد التام والتجريح المباشر ليس لهذه الأحزاب فقط بل إلى عقليتها وعقيدتها وموروثها المصون قانوناً، فإذا كان دستورنا يسمح بتجريح رئيس مجلس الوزراء، فلماذا نوفر الحصانة للمزعج من أفراد؟
Copy link