استراحة النفس
خلود الخميس
لعام آخر بدأت الاتصالات من الأهل والأحبة لحجز موعد تجمع «القريش» الذي يسبق رمضان. و «القريش» تقليد شعبي خليجي شهير تتجمع فيه العائلة والصحب على وجبة نهارية أخيرة قبل أول يوم في رمضان، وهذا في كل عام. وهو تأكيد أننا شعوب تحترم معدتها، وتحيي لها الطقوس في كل مناسبة وموسم!
بالطبع هناك من يحضر «قريشاً» والأغلب من الناس من يزيد على واحد فتجده في «قريش» زملاء العمل. ثم الأهل ثم الأصدقاء. وهكذا يتم استقبال أول يوم في رمضان بملء البطون بثلاث «قريشات»!
ومن الطرائف أن العادة درجت أن يسمح بعض المديرين في المؤسسات الحكومية بالطبع -وليس القطاع الخاص- للموظفين بالاستئذان لحضور إفطار «قريش» والبعض يشاركونهم الاحتفالية أيضاً!
هكذا نحن في الخليج لكل احتفاء طبق. أدام الله بطوننا. ولكن ماذا عن تلك الفئة التي يعاني عضو آخر في جسدها من الجوع غير المعدة، وتنتظر رمضان لتشبعه؟ التي تنظر للعملية الغذائية كمنظومة إعمار شامل للبدن، وليس من زاوية الأسنان الماضغة واللعاب الهاضم؟ هؤلاء بالإضافة لمساهمتهم في الاستقبال العام لرمضان، لديهم آخر خاص.
ذلك بأن كثيرا من المسلمين ينتظرون شهر رمضان لأخذ هدنة من لهاث أحد عشر شهراً من الصراع مع ملهيات الدنيا اللامنتهاه بين صارع وصريع، لدرجة أن البعض يبرمج إجازته السنوية من عمله في رمضان، وبعض آخر يكتب خطة إيمانية، ونماذج كثيرة تقدم جهداً في التفكير في كيفية قضاء رمضان. فلمَ بظنكم هذا؟
لتسهل الإجابة يجب أن نعرف أن المسلمين يتعاملون مع رمضان بمفهومين، العقلاني والروحاني. أما العقلانيون وهم الأقرب لجوعى البطون، فهم من يرون الصيام شعيرة دينية وواجباً لا بد من أدائه رفعاً لعتب ما، يظل يدور في صدورهم ويغذي الشعور بالذنب تجاه عدم تطبيق القوانين الدينية فيطبقونها بحثاً عن فاتورة مختومة بكلمة «مدفوع» وينتهي الواجب!
لأنهم يرون الدين من زاوية واجبات وحقوق ومسطرة دقيقة تحدد الأخذ والعطاء، وتتحكم بهم المقدمات والنتائج والمنطق والأسباب والكثير من الواقع والملموس، الأمر الذي يجرهم لتيه كبير، ما إن ينتهي رمضان حتى يعودوا لممارسة الحياة التي اعتادوها قبله. والتأرجح بين حسن وسوء الخلق والدين. وهكذا حتى يعود في العام المقبل ويعودون.
أما الروحانيون فإن رمضان بالنسبة إليهم إجازة شخصية للسفر بعيداً عن الواقع لخيالٍ هم يؤمنون بأنه حق، رغم أنهم لا يلمسون إلا رأس طرف خيطه، ولكنهم يتلمسون آخره بيقينهم. هم ينتظرون تلك الرحلة السنوية ويشحذون إمكاناتهم حتى تتحقق فيها المصالحة مع النفس من صراعات الاختلاف حول القيم والمبادئ وترتيب الأولويات بينها ويسعون بجهد لإمكان التفوق على الذات وتهذيب الرغبات.
ولتحقيق ذلك يمارسون طقوساً استقبالية لرمضان. قد يتسوقون في المكتبات التي تبيع الكتب الدينية، أو يشترون سجادة صلاة جديدة ومصحفا، ويكتبون جدولاً لزيارات عائلية كانوا لا يهتمون بها في أثناء العام. يكتبون رسائل لأنفسهم تذكرهم بالتحليق بعيداً عن كل ما يمكن التحقق من وجوده فعلاً لعالم الغيبيات، لأنهم يعلمون أن الإيمان بهذا العالم من صفات المقربين لله.
الروحانيون يستنشقون الشعيرة الدينية، ويرون في رمضان أقصى علاج لشهوات الذات من تضخم نفس وكبر وغرور، إلى المحسوسة من مطعم ومشرب ولذة، يعتبرونه فرصة للترفع عما يجرهم للأسفل من الأشياء الممتعة المشوبة بألم خرق الممنوع، لأن تركها يقابله في العالم الأكمل ما لا يمكن تخيله رغم دقة وصفه.
أما أنا، فقد كان لي في الفئتين شأن أقصه عليكم في مقالات لاحقة، وإن لم تكونوا تعرفتم في الأعوام السابقة من أي فئة أنتم، فأظنها فرصتكم هذا العام.
وقد تكون بداية أيضاً لرحلة الطمأنينة للأحد عشر شهراً المتبقية. لمَ لا؟ جرِّبوا. فلن تخسروا إلا اتّباع الشيطان والهوى.

أضف تعليق