أفكار
مغناطيس الإمارة الدستورية
كتب د. طارق عبدالله
-يصف الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية البريطانية نظام الحكم في الكويت بأنه «إمارة دستورية وراثية». فإذا كان هذا وصف أعرق النظم الملكية الدستورية في العالم لنظام الحكم في الكويت؛ فما الجديد إذن فيما يقوله لنا بعض نواب مجلس 2012 في بياناتهم وتصريحاتهم بشأن تحويل الكويت إلى إمارة دستورية؟ فهل فاتهم أن نظام الحكم في الدولة يستند الى مبدأ الإمارة الدستورية؟ أم أنهم يقصدون أمرا آخر .. مثل تطوير العلاقات الدستورية في البلاد واستكمال بنيتها السياسية كي تصل إلى صورة الكمال الدستوري؟
– لا أجد لدى هؤلاء النواب حتى الآن ما يمكن أن يوصف بنظرية سياسية متكاملة ومتوازنة للتغيير الذي ينادون به ولا أعتقد أن أيا منهم مؤهل لرسم نظرية التغيير إلى الأفضل . فكيف نتوقع من نواب جاؤوا إلى المجلس بناء على مكتسبات وتحالفات عشائرية وطائفية أن يقدموا لنا نظرية للتغيير المؤدي الى محو تأثير القبلية والمذهبية والفئوية على الساحة السياسية ؟ هم أساسا لا يعانون مما يدعون الى تغييره، ولكنهم يطمحون الى نصيب أكبر في المشاركة في صناعة القرار وممارسة السلطة. كما أننا لا نتوقع أن يرسم لنا طريق التغيير سياسيون قد تتغير مواقفهم بين لحظة وأخرى بناء على ما هو متاح لتحقيق المصالح المرحلية. وعلى الرغم من ذلك، يبقى السياسيون عاملا مهما في الدفع نحو التغيير واقناع الجماهير؛ ولكنهم بعد ذلك يجب أن يتنحوا جانبا ويتركوا مهمة صياغة التغيير للمفكرين السياسيين والاجتماعيين والخبراء الدستوريين.
– لقد طرح بعض النواب فكرة تطوير الإمارة الدستورية كفكرة مغناطسية لاجتذاب الشباب للمشاركة السياسية، إلا أن هذه الفكرة يجب أن تستند إلى أُسس رئيسية يجب ادخالها في البنية السياسية المحلية؛ مثل التمثيل البرلماني العادل لجميع الفئات الاجتماعية، ونظام للأحزاب السياسية يتسم بالشفافية والنزاهة، ونظام انتخابي متين وحديث.
– إذا كان البعض يسعى إلى تبني نظام يشبه الملكيات الدستورية في أوروبا، فأقترح أن يقرؤوا جيدا تاريخ التطور السياسي لتلك الدول؛ وهو تطور ممتزج بالدم والحروب والثورات، كما إنه معجون بالفكر السياسي والنظريات المسهبة عن دور الحاكم وحقوق الشعب، إذ رسم «جي هيغل» أحد أشهر فلاسفة أوروبا، أطروحة فلسفة الحق (1820) التي قدمت التبرير النظري لمفهوم الملكيات الدستورية الأوروبية الحديثة، والقائمة على أساس أن الملك هو رمز الدولة ويجسد الإرادة الشعبية في شخصه، وسبقه في ذلك عمليا نابليون بونابرت الذي أعلن أنه يجسد في ذاته إرادة الأمة وذلك في أعقاب الثورة الفرنسية.
– نعود إلى بريطانيا؛ وهي صاحبة أعرق نظام ملكي دستوري، حيث الشائع لدى الكثير من الناس أن الملكة «إليزابيث الثانية» تملك ولا تحكم؛ ولكنها في واقع الأمر، تمارس نفوذا صامتا وقويا في شؤون مملكتها؛ فهي إلى جانب الحقوق الثلاثة المتاحة لها حق إبداء المشورة، وحق إسداء النصح، وحق توجيه التحذير -على حد تعبير«والتر باغهوت» المفكر الدستوري الإنجليزي في القرن التاسع عشر – فهي عمليا ونظريا تملك حقوقا كثيرة منها ما هو معلوم وما هو مجهول.
– ومن بعض السلطات المعروفة التي تتمتع بها الملكة «إليزابيث» حق تعيين أساقفة الكنيسة الإنجليزية، وحق تعيين الحكومة وحق دعوة البرلمان للانعقاد أو فض انعقاده، وحق إعلان الحرب وحق تعيين أعضاء مجلس اللوردات، وحق السيطرة على القوات المسلحة وقوات الشرطة وحق إجازة أو رفض القوانين البرلمانية وحق تعيين القضاة، وحق إصدار العفو.
علاوة على ذلك؛ لا يجوز إدانة الملكة بأي جريمة جنائية، كما أنه لا يمكن الطلب منها الإدلاء بشهادتها في المحكمة. تلك بعض هي السلطات المعلومة للملكة «إليزابيث»، ولو أنها لا تمارسها بشكل مباشر ولكن عبر مسؤولي الدولة.
– أما حقوقها غير المعلومة؛ كما روى لي أكاديمي بريطاني قريب من صناعة القرار في بلاده، فهي تشمل حق استدعاء رئيس الوزراء ومسؤولي الدولة ومناقشتهم وتوجيههم. فالملكة تطلب رئيس الوزراء في اجتماع سري أسبوعي مساء كل ثلاثاء لبحث أمور الدولة معه – ولقد توفرت هذه المعلومة الآن في الإنترنت – كما أنها تتلقى نسخا من جميع الوثائق الخاصة بالدولة ومذكرات مجلس الوزراء، وتقارير من سفراء بريطانيا في أنحاء العالم، إضافة إلى تقارير الاستخبارات والأمن. ولعبت الملكة «إليزابيث» دورا هاما في التوصل إلى حل لمسألة «روديسيا» والتي انتهت المباحثات المطولة بشأنها بإعلان دولة زمبابوي، وذلك على الرغم من معارضة رئيسة الوزراء حينها «مارغريت تاتشر». كما كانت الملكة على اتصال وثيق بـ«توني بلير» رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في الأسابيع التي سبقت حرب تحرير العراق في 2003، ولو أن ما دار بينهما مازال محفوظا في الوثائق السرية. وهكذا تلعب الملكة –التي تملك ولا تحكم – دورا مهما في التأثير على صناعة القرار وإدارة شؤون بلادها.
– نعود إلى تطوير الإمارة الدستورية، وهي فكرة أرجو ألا تكون كالمغناطيس الذي يجذب نحوه مختلف القطع المعدنية من الأشكال والألوان كافة بغير نسق ولا ترتيب، وسرعان ما تندثر هذه القطع عندما يتعرض المغناطيس لأول هزة.
– كي تكون فكرة تطوير الإمارة الدستورية نظرية متكاملة، فإنها تحتاج إلى تمعن متوازن.
من جانب أساتذة العلوم السياسية والخبراء الدستوريين والمفكرين السياسيين، والمتوقع منهم المبادرة إلى صياغة وثيقة توفر الأساس النظري لفكرة التطوير … وبعد ذلك تتم مناقشته من جانب السياسيين وسلطات الدولة الثلاث (تنفيذية وتشريعية وقضائية) ثم تطرح لنقاش شعبي عام في مختلف المنتديات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني قبل اتخاذ أي خطوة عملية بشأنها. وهكذا فإن فكرة التغيير لا ينبغي لها أن تقزم في شعارات الدعاية الانتخابية ، لأنها أكبر من ذلك بكثير، فهي ترمي إلى إعادة صياغة مصير وطن ومستقبل مئات الألوف من المواطنين، بما في ذلك أمنهم وأمانهم وأمان أولادهم وأحفادهم … وهذا ما يستدعي فكرا بمستوى تاريخي … لا بيانات تنضج على مواقد الحماسة في الدواوين … !

أضف تعليق