أقلامهم

عبدالعزيز التركي: عدم تدوين التاريخ بشكل صحيح ودقيق يفقد الأمة ذاكرتها المليئة بالمواقف والقيم التي تمثل تراثها وحضارتها.

رسائل
إعادة كتابة التاريخ 
د. عبدالعزيز التركي
تعد كتابة التاريخ من أصعب المهام التي تواجه المؤرخ الموضوعي والمنصف، لحرصه الدائم على نقل وتوثيق الأحداث التاريخية للأمم بكل دقة وشفافية، بعيدا عن الأهواء العنصرية والقبلية والطائفية، ليكون لها منبع للقيم والعبر، تستسقي منه وتستغله في تنمية حاضرها ومستقبلها، فالسؤال الذي نود طرحه هنا هو: هل نمتلك مؤرخين يتسمون بالموضوعية وملتزمين في نقل المعلومة الصحيحة والدقيقة وتوثيقها بما يتوافق مع مبادئ البحث العلمي؟
ففي مجتمعاتنا يقوم المؤرخ بإسقاط كل العقد الاجتماعية والدينية والسياسية على تاريخ الأمة ليرفع شأن فئة على أخرى، والتشكيك في أصول وجذور العوائل التي لا تلتقي مع أهوائه، بينما يضع أسرته في خانة العراقة والأصالة، وذلك لمرض في نفسه، مخالفا في ذلك أبسط القواعد العلمية والأخلاقية، متناسيا قول الله تعالى في كتابه الكريم «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».
إن هذه الظاهرة تدل على جهل بعض المؤرخين بحياة الشعوب، فلو تعرفنا على بعضنا البعض تطبيقا لكلام الله ورسوله (ص)، وتركنا هذا التعصب الجاهلي الذي يعد سببا رئيسا في التطرف، واعتمدنا مبدأ الحوار في القضايا المصيرية، لما آلت أمورنا إلى هذا المستوى من الانحطاط والذل والهوان، فتارة نغزو بعضنا بعضا، ونفتي باستباحة دماء فئة من المسلمين، مع أن «المسلم على المسلم حرام كله دمه وماله وعرضه»، كما جاء في الحديث الشريف، أما الغرب الذي يرصد أفعالنا بشكل مستمر حتى تبين لهم مدى انحرافنا عن الشريعة، ففي كل يوم نعصي الله ورسوله (ص) ولا نحترم ديننا، يستخف بنا الأعداء، ويجتمعون على محاربتنا بشتى الوسائل الإعلامية والسياسية والعسكرية، فتارة ينالون من مقام النبي محمد (ص)، وأخرى من كتاب الله، في حين مازال البعض منا يثير الفتن والبغضاء بين أبناء الأمة ليسهل بذلك تمرير مشاريع الغرب الاستعمارية، فعلى المثقفين والمؤرخين المنصفين أن يعيدوا كتابة التاريخ بشكل صحيح ودقيق حتى تسترجع الأمة ذاكرتها، وتبدأ في صياغة مستقبلها بعيدا عن التعصب والغوغاء والعنصرية والطائفية، فمعظم الكوارث التي حلت بأمتنا هي نتيجة النقل والقراءة غير الدقيقة لتاريخ الأمة.
إن عدم تدوين التاريخ بشكل صحيح ودقيق يفقد الأمة ذاكرتها المليئة بالمواقف والقيم التي تمثل تراثها وحضارتها، والذي يفترض أن تأخذ منه العبر لتتفادى أخطاء الماضي.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.