سوابق سلطوية لاستغلال المحكمة الدستورية !
كتب أحمد الديين
هناك العديد من السوابق التاريخية لمحاولات السلطة استغلال المحكمة الدستورية وتوريطها عن سوء نيّة وقصد في الصراع السياسي الدائر في البلاد… ولعلّه من المفيد هنا أن نستذكر ثلاثا من أبرز تلك المحاولات السلطوية المفضوحة، لما تنطوي عليه من دلالات ذات مغزى، بما في ذلك الإمكانية الواقعية لإفشال مثل هذه المحاولات المتكررة.
ومن دون تجاهل لسوابق أخرى قبلها، يمكن أن نتوقف أمام سابقة طلب تفسير المادة 71 من الدستور الذي قدّمه مجلس الوزراء في 2 أبريل من العام 1995 بهدف إضفاء حصانة على المراسيم بقوانين التي كانت قد أصدرتها سلطة الأمر الواقع خلال فترة الانقلاب الثاني على الدستور بين 3 يوليو 1986 وعودة العمل بالدستور في أكتوبر من العام 1992، حيث كانت السلطة تسعى إلى الحصول على حكم من المحكمة الدستورية يمنع عرض تلك المراسيم بقوانين على مجلس الأمة وفقا لنصّ المادة 71 من الدستور التي تسري على المراسيم بقوانين التي تصدرها الحكومة فترة حلّ مجلس الأمة أو فيما بين أدوار انعقاده… وقد جوبه ذلك الطلب السلطوي الاستفزازي بالرفض والمعارضة الشعبية والنيابية، بحيث اضطرت السلطة إلى سحب ذلك الطلب، وهذا ما اثبتته المحكمة الدستورية في حكمها الصادر في جلسة 27 مايو 1995 بترك الحكومة للطلب المقدّم منها لتفسير المادة 71 من الدستور.
وفي العام 2006 حاولت السلطة مرة أخرى توريط المحكمة الدستورية في الصراع السياسي الذي كان دائرا وقتها على أشُدِّه حول نظام الدوائر الانتخابية الخمس والعشرين، وذلك عندما صوتت الحكومة مع النواب المحسوبين عليها على قرار إحالة مشروع قانونها الذي تقدّمت به في شأن الدوائر العشر إلى المحكمة الدستورية في جلسة مجلس الأمة المنعقدة في 16 مايو 2006، ما عُدَّ عبثا متعمّدا لتعطيل ذلك المشروع، وهذا ما دفع إلى الإعلان في “ساحة الإرادة” مساء ذلك اليوم عن توجيه أول استجواب نيابي إلى رئيس مجلس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد، ما أدى إلى تراجع الحكومة في اليوم التالي عن تلك المحاولة، ثم تداعت الأحداث بعد تقديم النواب أحمد السعدون وأحمد المليفي والدكتور فيصل المسلم ذلك الاستجواب بالفعل، حيث تمّ حلّ مجلس الأمة لقطع الطريق على الاستجواب… وبعد الانتخابات بادرت الحكومة في مجلس 2006 إلى تقديم مشروع قانون الدوائر الانتخابية الخمس، الذي تدعي الحكومة الحالية أنّه غير عادل وغير دستوري!
أما المحاولة الثالثة للسلطة في توريط المحكمة الدستورية لتصبح طرفا في الصراع السياسي، الذي كان دائرا في البلاد، فشهدناها في 9 يناير من العام 2011 عندما قررت الحكومة حينذاك تقديم طلبها بتفسير المواد 50 و100/1 و111 و163 من الدستور، بهدف إضفاء المزيد من التحصين المبالغ فيه لرئيس مجلس الوزراء تجاه المساءلة النيابية، وهذا ما أدى إلى ردّة فعل شعبية قوية أجبرت السلطة خلال أسابيع بعد تقديم ذلك الطلب على تركه، وهذا ما اثبتته المحكمة الدستورية في حكمها الصادر في جلسة 21 فبراير 2011 الذي قضى بـ “إثبات عدول مجلس الوزراء عن طلب التفسير الماثل”!
هذه السوابق التاريخية الثلاث لمحاولات السلطة توريط المحكمة الدستورية في الصراع السياسي ربما تساعد، مَنْ لديه بعض من وهم، على اكتشاف حقيقة الدوافع الغرضية للطعن الحكومي في عدم دستورية النظام الانتخابي القائم، وهو طعن لا صلة له بتحقيق معايير العدل والمساواة بقدر ما له صلة بتمكين السلطة من العبث مجددا في النظام الانتخابي وتفصيله وفقا لهواها وبما يتناسب مع قياساتها وترتيباتها… وهذا ما يجب فضحه سياسيا وإفشاله بالإرادة الشعبية!

أضف تعليق