أقلامهم

الديين: لم تعد خافية على أحد أساليب السلطة في المناورة والمماطلة واختلاق الذرائع طوال الخمسين يوما الماضية.

سابقة 28 نوفمبر ..!
كتب أحمد الديين
 
التجمع الجماهيري الحاشد وغير المسبوق لعشرات آلاف الكويتيين في “ساحة الإرادة” مساء الاثنين 28 نوفمبر من العام الماضي كان هو التعبير الأوضح عن الرفض الشعبي الواسع لاستمرار مجلس 2009، ما أجبر السلطة على الإسراع إلى حلّه بعد أن أعيتها الحيلة في الإبقاء عليه… وكانت السلطة تدرك جيدا أنّ الأجواء العامة في البلاد ستأتي بنتائج انتخابية مخالفة لهواها، لذلك فقد لجأت عن قصد وعمد إلى تلغيم مرسوم حلّ مجلس 2009 بخطأ إجرائي يمكن الطعن به لنسف نتائج الانتخابات، وفي الوقت نفسه فقد كان لدى السلطة، منذ منتصف شهر أبريل الماضي، سيناريو بديل يقضي بحلّ مجلس الأمة الأخير الذي جاء غير متوافق مع رغبتها؛ على أن يصدر خلال فترة الحلّ مرسوم بقانون لتغيير النظام الانتخابي يسهّل على السلطة مستقبلا التحكّم أكثر في مخرجات العملية الانتخابية.
وبعد صدور حكم المحكمة الدستورية لم يعد هناك مبرر لتنفيذ الجزء الأول من ذلك السيناريو البديل، أما الجزء الآخر منه المتصل بتغيير النظام الانتخابي وفق مقاييس السلطة فلا يزال قائما… بل أنّه يمثّل الهدف الرئيسي للسلطة، وهو ما تسعى الآن إلى تحقيقه ضمن سيناريو جديد.
حيث لم تعد خافية على أحد أساليب السلطة في المناورة والمماطلة واختلاق الذرائع طوال الخمسين يوما الماضية منذ صدور حكم المحكمة الدستورية لإعاقة تصحيح الخطأ الإجرائي بحلّ مجلس 2009 وذلك إلى أن تستكمل السلطة تحقيق هدفها في تغيير النظام الانتخابي، بالإضافة إلى محاولتها تحقيق هدف جانبي آخر هو إبقاء البلاد أطول فترة ممكنة من دون أن يكون هناك مجلس أمة لتنفرد بالقرار بعيدا عن الرقابة البرلمانية… ولهذا فقد جرى تأجيل إصدار مرسوم حلّ مجلس 2009 تحت ذريعة ضرورة تحصين هذا المرسوم إجرائيا لعدم تكرار الطعن به مستقبلا، وهذا ما كان يقتضي، وفق الجزء الأول من السيناريو السلطوي الجديد، أن تستقيل الحكومة السابقة، مع أنّها كانت من الناحية الشكلية حكومة دستورية، وأن يتم بعد تلك الاستقالة تشكيل حكومة جديدة تشارك في “تمثيلية” أداء يمين القسم الدستوري لرئيس مجلس الوزراء والوزراء من غير النواب أمام المجلس العائد إجرائيا، ما يتطلّب تمكينه من الانعقاد لجلسة أو أكثر، وهو الأمر الذي لم يتحقق، بل ربما لم يكن ممكنا أن يتحقق جراء الرفض الشعبي لذلك المجلس… وفي هذا السياق فقد جهّزت السلطة ذريعة أخرى لتبرير محاولتها تغيير النظام الانتخابي وفي الوقت نفسه لإطالة أمد حالة غياب السلطة التشريعية، فأثارت ما اسمته ضرورة تحصين قانون الانتخاب قبل إجراء الانتخابات المقبلة، وهذا ما يتطلّب وفق الجزء الثاني من السيناريو السلطوي الجديد أن تقدم الحكومة طعنا إلى المحكمة الدستورية بعدم دستورية هذا القانون… وبالطبع فإنّه في حالة تقديمها هذا الطعن لن يكون ممكنا الإسراع في حلّ مجلس 2009 نظرا لما يفرضه هذا الحلّ من ضرورة إصدار مرسوم بدعوة الناخبين إلى انتخاب مجلس الأمة الجديد خلال فترة الشهرين المنصوص عليها في المادة 107 من الدستور، وبذلك يتمّ تأجيل الانتخابات حتى لا يتعارض موعدها مع موعد إصدار المحكمة الدستورية حكمها في الطعن بعدم دستورية قانون الانتخابات، وبالتالي لابد أن يستمر مجلس 2009 قائما من دون أن تنعقد جلساته أو يصدر مرسوم بحلّه!
ويتداخل بعد ذلك الجزء الثاني من السيناريو السلطوي الجديد مع الجزء الثالث منه، حيث ستتقدم الحكومة إلى المحكمة الدستورية بطعن دستوري ملغوم في عدم عدالة التوزيع الحالي للناخبين على الدوائر الانتخابية الخمس، بينما لن يشير هذا الطعن الحكومي من قريب أو بعيد إلى الجانب الآخر من أوجه عدم دستورية قانون الانتخاب، المتمثّل وفق قول الدكتور محمد المقاطع في “تقييد إرادة الناخب باختياره 40 في المئة من ممثليه” أي اقتصار تصويت الناخب لأربعة مرشحين بدلا من عشرة في كل دائرة انتخابية… ومن الواضح أنّ الحكومة لا تريد الطعن في هذا الجانب من عدم دستورية قانون الانتخابات لأنّها تسعى بالأساس إلى العكس تماما وهو فرض المزيد من التقييد على إرادة الناخب عبر تقليص اختياره أو بالأحرى تخفيض تصويته من التصويت لأربعة مرشحين، مثلما هو الآن، إلى التصويت لمرشحين اثنين أو ربما لمرشح واحد فقط من بين المقاعد العشرة المخصصة لكل دائرة من الدوائر الخمس الحالية، وذلك بما يحقق للسلطة المزيد من التفتيت في خيارات الناخبين واتجاهات تصويتهم، وبالتالي يمكنها بعد ذلك أن تتحكّم أكثر في نتائج الانتخابات المقبلة وتقلّص فرص فوز المرشحين المعارضين إلى أدنى عدد ممكن.
هذه هي أهداف السلطة، وهذه هي سيناريوهاتها… إلا أنّ السلطة ليست هي العنصر الوحيد الذي يقرر مسار الاحداث، مثلما تتوهم أو مثلما يوهم البعض نفسه، فهناك الموقف الشعبي الذي لا يستطيع أحد تجاهله، وما مساء يوم الاثنين 28 نوفمبر 2011 ببعيد عن الذاكرة، اللهم إلا مَنْ كان مصابا بالزهايمر السياسي..!

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.