بداية التيارات الثقافية الدينية في مصر
عبدالله خلف
نزح الكثير من الطلاب من محافظات مصر الى القاهرة للدراسات العليا سواء في الازهر أو جامعة القاهرة، وعاشوا غرباء وكجاليات متحزبين الى محافظاتهم وثقافة الاعتدال المختلفة عن ثقافة سكان القاهرة حيث يميلون الى العنف في محاربة الانجليز والشيوعية. ولم تستهدف أي مجموعة في داخل العاصمة وخارجها الاقباط بل تآزروا معهم في محاربة الانجليز والفكر الوافد من الخارج.
الثقافة الدينية لها اتجاهان الاول المنتمي الى الثقافة الدينية النقلية في الازهر ومعاهده، لا يرتضون بتطوير الفكر والكتب القديمة الفقهية وكتب السيرة، المثقفون يلتقون معهم في محاربة الانجليز، وتحرير الوطن من الاستعمار ونشر الثقافة واشاعة الوعي الوطني المصري أو كما كان يطلق عليها آنذاك القومية الوطنية المصرية، والقومية العربية.
وسعى كبار المثقفين الى تنقية السير وتحديث الفكر الديني الذي قاده كل من د.محمد حسين هيكل، ومحمود عباس العقاد ود.طه حسين والمازني، واحمد الزيات واحمد امين، هؤلاء قادوا التيار الثقافي الحديث وتجديد الفكر الديني وطريقة المنهج الاوروبي في اوائل القرن العشرين، واخضعوا منهج النقد للادب والفكر الديني وازالة مقدمات العنعنة، والنقل غير الموثق علميا وتاريخيا.
هؤلاء وغيرهم في المدرسة الحديثة توجهوا نحو ثقافة اسلامية مع تطوير واضح لمنهج الكتب الدينية القديمة واختصروا ادب السير وازالة الاسرائيليات والخرافات الغيبية.
اما الدكتور محمد حسين هيكل فقد انشغل في الرد على بعض كتاب الغرب، فألف كتابه الشهير (حياة محمد)، فيه اهتمام بحياة الرسول عليه السلام، وفيه اعتماد كلي على بعض المراجع الغربية التي جهلت الكثير عن الاسلام وسيرة الرسول حيث احتوت اللمز والتطاول.
وقال هيكل ان الادب لا يمكن ان يؤدي واجبه اذا اهمل دور الاسلام في حياة المشرق العربي وفكره المتجدد.. كتب (في منزل الوحي) قائلا: «طالما التمسنا في شرقنا الادنى اسباب النهوض بعلمنا لنقف الى جانب الانسانية، ولا ينكس الخجل رؤوسنا ولا يحز في نفوسنا ذلك الشعور المتخاذل بأننا دون الغرب مكانا وفكرا..، وخُيل الينا ان نقل آداب الغرب العقلية والروحية هي سبيلنا الى النهوض»، وقال «اننا في حاجة ان ننقل من حياة الغرب العقلية وكل ما نستطيع، ففي الفكر الغربي ما هو صالح لنا» وقال في نفس الكتاب: «حاولت ان انقل لابناء امتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الروحية لنتخذها جميعا هدى ونبراسا، ولكنني ادركت بعد ذلك انني اضع البذر في غير منبته، فإذا الارض تهضمه ولا تتمخض عنه، ولا تبعث الحياة فيه، فانتقلت ألتمس في تاريخنا البعيد مثلا لوحي هذا العصر، ورأيت في تاريخنا الاسلامي البذر الذي ينبت ويثمر ففيه حياة تحرك النفوس».
التيار الثقافي الديني نَشط بعد ثورة 1919 التي فشلت في تحقيق الاستقلال وخروج الانجليز وجيوشهم من مصر.. «جمعية الشبان المسلمين» تأسست سنة 1927.. وجمعية الاخوان المسلمين سنة 1928، وتوزع الطلبة النازحون من محافظاتهم وقُراهم الى حاراتهم يتحزبون لثقافة اجتماعية ودينية محافظة – وكأنهم جاليات غرباء عن مجتمع القاهرة، وكانوا يرون مصر كلها في العاصمة حتى كتبهم يختمونها بأنها طبعت في مصر أي في القاهرة وكذلك احياءُ الفن في مصر.. انتهت الحرب العالمية الاولى وتغلغل الانجليز في تشجيع بعض الجمعيات الدينية واستقطبوا قادتها الى السفارة الانجليزية ونشأت اسرائيل في 1947 واعتبرتها انجلترا من رواسي ثباتها وبقائها في مصر حتى حققت ثورة 1952 الجلاء واممت قناة السويس بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر.

أضف تعليق