ليس هذا ما تراضينا عليه !!
خالد سند الفضالة
المضحك في قضية تحويل الدوائر الانتخابية الى المحكمة الدستورية هو الصحوة المفاجأة التي نزلت على حكومتنا الرشيدة.. فالسلطة تعمد للأسف الى استغفال الناس معتمدة تارة على اعلام مضلل للرأي العام و تارة على اختلاق أزمات وقتية مصطنعة تلهي بها الشعب، فالبرغم من عدم تطرق حكم المحكمة الدستورية الاخير الى عيب يشوب الدوائر الحالية الا ان الصحوة الحكومية اختلقت العيب و باشرت الإجراءات للتأكد من دستورية قانون الدوائر، وهذا حق يراد به باطل، فإن قانون الدوائر الخمس هو مشروع حكومي، فهي من اقترح في البداية تعديل الدوائر وهي من شكلت لجنة تعديل الدوائر التي اعتمدت الدوائر الخمس وهي من صاغ القانون و هي من وزع الدوائر، وجميع ما سبق تمت دراسته وبحث مدى تطابقه مع الدستور من خلال جيش المستشارين والخبراء الدستوريين والإدارات الحكومية ذات الصلة، ولكن المفاجأة وبعد سبع سنوات من الممارسة الفعلية تطعن الحكومة في القانون متعذرة بأن “جميع الخبراء الدستوريين يؤكدون عدم دستورية القانون”!!
و قد يقول قائل هنا ان إجراءات الحكومة من ضمن صلاحياتها القانونية والدستورية، وهنا يكمن الخلل في فهم القضية والخلاف، فالغاية لا تبرر الوسيلة، فهل يعقل مثلاً القول بإغلاق البنوك نهائياً لمنع عمليات السطو عليها ؟! وهل يعقل مثلاً منع الزراعة لكي نحارب آفة المخدرات ؟! الغاية هنا نبيلة و لكن الوسيلة خطأ، فتصحيح خطأ (ان وجد) لا يكون من خلال خطأ آخر.. وهذا ما تقوم به الحكومة تماماً، فالبحث عن تحصين القوانين دستورياً امر محمود و لكن التذاكي على الناس غير مقبول أبداً، فالقانون حكومي ومرت عليه سبع سنوات من التنفيذ فلماذا الآن ؟ وكيف مر هذا الزمن دون ان تلاحظ ذلك ؟ و اين هم هؤلاء الخبراء طوال هذا الوقت ؟ وماذا عن بقية القوانين المشكوك بدستوريتها ؟! فقبل عدة سنوات أعدت مجموعة “صوت الكويت” الشبابية كتيباً جميلاً يحتوي على ثمانية قوانين رئيسية غير دستورية مدعمة بالشرح التفصيلي والدلائل على المخالفات الدستورية، وهو للأمانة أكثر اقناعاً من ما تفضل به معالي وزير الاعلام بالأمس مع شديد احترامي لشخصه الكريم، فلماذا لا تطعن الحكومة بهذة القوانين أيضاً ان كانت صادقة بصحوتها الدستورية المفاجئة ؟!
ان طريق تعديل الدوائر واحد لا ثاني له، و هو طريق إرادة الشعب من خلال ممثلهم الشرعي و الوحيد “مجلس الامة” و غير ذلك يعتبر تزييفاً وتزويراً لا يمكن قبوله، فقد أهدرت هنا غاية وجود مجلس ينتخبه الشعب مباشرة بالطريقة التي يشرعها هو لا من خلال الحكومة او المحكمة الدستورية، ففصل السلطات انهار امام هذا المشهد و استقلال العملية الانتخابية انتهكت وأصبحت إرادة الأمة محل مزاج السلطة وأدواتها، والأهم من جميع ما سبق هو ان المقصد الاساسي لمؤسسي الدستور قد انتفى، فالمسيرة نحو الحياة الديمقراطية التي كافح من أجلها أجدادنا و ضحوا من خلالها بالغالي والنفيس والروح ذهبت هباء منثورا، والاجداد لم يسطروا أسماءهم بتاريخ الكويت الحقيقي ليجني الأحفاد مجلساً صورياً أقرب الى المعيّن من المنتخب.. فالحكم في الكويت ديمقراطي والسيادة للأمة مصدر السلطات جميعاً و ليس ما نعيشه اليوم.
انه زمن استخدام الدستور لوأد الدستور و استغلال الديمقراطية لضرب الديمقراطية، وهو زمن المشهد الاخير من مسرحية مخرجها السلطة التي لم تؤمن بالدستور يوماً و أبطالها رئيس الوزراء و حكومته وما هم بأبطال بل ممثلون درجة ثانية يُملى عليهم النص و ينفذون والجمهور هو شعب مخلص استمر بالجلوس بمقاعدة حتى نهاية الفصل الاخير.
يبقى القول كم أحزنني موقف البعض الذي بلع الطعم مبكراً، كل رهانه هو تغيير نتائج الانتخابات لصالحه، فالطموح لتحقيق مكاسب انتخابية هو امر مشروع سياسياً، و لكن ان جاء بطرق ملتوية فلن يدوم، الدنيا دوارة و حكومتنا الرشيدة ما لها صاحب والمؤسف ان هذه المجموعة تحديداً هي اكثر من شرب كأس السم الحكومي و لم تتعظ ولسان حالها اليوم يقول “اسقني و اشرب على أطلاله” و اليها اقول “لا تسقني ماء الحياة بذلة .. بل فاسقني بالعز كأس الحنظل”.


أضف تعليق