أقلامهم

أحمد الديين: تقليص عدد أصوات الناخبين هدفه انتقام السلطة من بعض أقطاب نواب المعارضة.

تفتيت المفتت..!
كتب أحمد الديين
 
لم يعد خافيا على أحد أنّ طعن الحكومة بعدم دستورية قانون الانتخاب إنما يهدف بالأساس إلى تمكينها بعد ذلك من إصدار مرسوم بقانون لتعديل النظام الانتخابي لا يتوافر له الآن عنصر الضرورة وفقا للمادة 71 من الدستور، وذلك لتفصّل الدوائر الانتخابية وتحدد أعداد الناخبين فيها وتوزّع المناطق السكنية بين هذه الدوائر وفقا لمقاييس السلطة وحساباتها وترتيباتها الانتخابية؛ وليتضمّن مثل هذا المرسوم بقانون فرض المزيد من التقييد على الحقّ التصويتي للناخب في اختيار مرشحيه بتقليصه من التصويت لأربعة مرشحين إلى التصويت لمرشح واحد فقط… وهذا ما سيؤدي بالضرورة إلى إحداث تغيير واسع في الخارطة الانتخابية يهدف بالأساس إلى تحقيق المزيد من تفتيت التركيبة النيابية لمجلس الأمة المقبل، بل تركيبة أي مجلس لاحق، وبذلك يتم إضعاف فرص تشكّل كتل نيابية قوية ويُحال دون قيام غالبية نيابية معارضة، فتتكرّس أكثر فأكثر آفة الطابع الفردي التي يشكو منها العمل النيابي في الكويت، وتتعرقل أي إمكانية لتطوّر الحياة السياسية، وبذلك يستمر تحكّم السلطة بالقرار، بل تنفرد به عمليا.
ويكفي أن نتخيّل مخرجات أي دائرة انتخابية من الدوائر الانتخابية الحالية إذا ما أصبح حقّ الناخب في الاختيار مقيّدا بانتخاب مرشح واحد فقط… فلا يمكن أن يرشح أي تيار سياسي أكثر من مرشح واحد فقط في كل دائرة انتخابية، وإلا تشتت أصواته، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي في الدوائر الانتخابية المختلفة، فإنّ التيارات السياسية لا تخوض الانتخابات في الدوائر جميعها، وإنما يتركّز ثقلها الانتخابي في دائرة انتخابية أو اثنتين وبحدٍّ أقصى ثلاث دوائر، وبذلك لن يتجاوز التمثيل النيابي لأي تيار سياسي ثلاثة نواب فقط، وفي حال خوض الانتخابات في الدوائر الخمس ونجاح مرشحيه جميعهم فإنّ أقصى ما يمكن أن يحققه أي تيار سياسي من تمثيل نيابي لا يمكن بحال من الأحوال أن يتجاوز خمسة نواب، وهذا ما سينطبق ليس على “الشعبي” أو “حدس” أو “السلف” فحسب، وإنما سينطبق أيضا على إمكانية التمثيل النيابي للتيارات الأخرى مثل “التحالف الوطني الديمقراطي” و”المنبر الديمقراطي” و”التحالف الإسلامي الوطني” وأي تيار سياسي آخر يمكن أن ينشأ في المستقبل!
والأسوأ من ذلك أنّ مثل هذا التقييد لحقّ الناخب في التصويت سيكرّس أكثر فأكثر آفة الطابع الفردي التي ابتلي بها العمل النيابي، إذ سيكون من الصعب في ظل تفتيت التصويت تشكيل كتل نيابية ذات وزن جدّيّ، ناهيك عن استحالة تكوين غالبية نيابية معارضة للحكومة، أيًّا كان توجهها، حتى وإن لم تكن غالبية متجانسة، أي سيتحوّل مجلس الأمة إلى تشكيلة واسعة من الموزاييك المنوّع، فيما ستصبح الحكومة ونوابها الموالون لها والمحسوبون عليها هي كتلة الغالبية التصويتية بلا منازع في أي مجلس، وحينها ستتصرف السلطة من دون أن تحسب حسابا لأي رقابة برلمانية فعّالة.
وغير هذا فإنّ تقليص عدد أصوات الناخبين من أربعة إلى صوت واحد سيحقق هدفا آخر من أهداف السلطة، وهو هدف دوني يتمثّل في الانتقام الشخصي المباشر من بعض أقطاب نواب المعارضة خصوصا من المرشحين الأفراد غير المنتمين إلى تيارات سياسية أو قواعد قبلية أو طائفية، وفي مقدمهم بالطبع الرئيس السابق لمجلس الأمة أحمد السعدون، وذلك بإضعاف فرص فوزه بالمقعد النيابي عبر تقليص خيارات الناخبين الذين يصوتون له، ممَنْ ينتمون في الغالب إلى مختلف التلاوين السياسية والاجتماعية في الدائرة الثالثة التي يخوض مرشحوها الانتخابات أيضا!
هذا بعض ما تسعى إليه السلطة في طعنها بقانون الانتخاب، فإن نجحت لا قدّر الله سيتحوّل البرلمان إلى “برلم”..!