أقلامهم

وليد الرجيب: رفض بعض الكبار للصغار والعكس هو رفض متعال لا يستند إلى العملية الإبداعية.

أصبوحة / صراع أجيال أم صراع وعي اجتماعي؟
وليد الرجيب
تكرر ولفترات مختلفة في القرن الماضي والنصف الثاني من القرن الذي سبقه، ظهور مدارس فنية وفكرية طرحت مبررات وجودها وثورتها على القديم، ومعظم تلك المدارس كانت شكلاً من أشكال الاحتجاج على فظاعة الرأسمالية في تعاملها مع الإنسان وضد حروبها المدمرة التي التهمت ملايين البشر في سبيل الربح، مثل الرومانسية والانطباعية والسوريالية وغيرها الكثير.
كما ظهرت في الساحة العربية بيانات تعلن عن مواقفها الإبداعية المغايرة للسائد، مثل بيان مجلة شعر في أواخر الخمسينات التي أسسها يوسف الخال، ومجلة شعر 69 التي أسسها أدونيس وغيرها، التي أعلنت مواقفها من القصيدة التقليدية وركزت على مفاهيم مثل الحداثة وما بعد الحداثة.
ومعظم هذه المدارس والاتجاهات هي متمردة على السائد حسب رؤيتها وتحليلها، سواء اتفقنا معه أم لم نتفق، وهذا التمرد ليس فقط على نمط الإبداع القديم بل تمرد أيضاً على القارئ وعزله عن عملية الإبداع ذاتها بحيث خلقت فجوة عميقة بين المبدع والمتلقي، وبالطبع إذا كنا نحسب حساباً للمبدعين الحقيقيين لهذه الاتجاه، فإن تلك الاتجاهات أتاحت الفرصة لامتطاء غير الموهبين لهذه الموجات واستخدامها كقناع لاخفاء قلة موهبتهم.
وفي الكويت لم تتأثر مجاميع من المبدعين بالتغييرات والاتجاهات الجديدة، واقتصر التأثير على أفراد متناثرين، يجمعهم رفضهم للقديم ودخولهم في صراع أجيال غير ناضج، ويتحمل الطرف الآخر أيضاً جزء من هذا التنافر المبني على الدفاع والمحافظة على ما هو موجود، ويرفض الطرفان التحاور بعقل مفتوح، وهنا لا أقصد جميع الكبار ولا جميع الشباب الذين لم يعودوا شباباً.
هذا الاحتجاج لم يدفع إلى خلق مدارس جديدة، ولم يدفع إلى خلق اتجاهات أدبية وفنية تستند إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي المتغير، ولم تعتمد المجاميع الثقافية المتناثرة ولا الأفراد المبدعين من الأجيال الجديدة على الوعي بالواقع ووظيفة الإبداع الاجتماعية، وكل ما فعلته هو ايجاد ملتقيات ثقافية لم تستطع أن تقدم بديلاً حقيقياً للإبداع السائد أو المحافظ، وانحصر الصراع بالندية والتذمر والانتقاد وحصر الأمر بصراع الأجيال، بالضبط كعلاقة المراهق بوالديه، حينما يكرر أنهما لا يفهمانه.
ولديّ يقين بأن رفض بعض الكبار للصغار والعكس هو رفض متعال لا يستند إلى العملية الإبداعية ذاتها، والتي تحدد الموقف الحقيقي للمبدع شاباً كان أم كبيراً ينتمي إلى واقع استطاع عكسه ابداعياً بجدارة واقتدار، وأريد دائماً التأكيد على كلمة البعض لا الكل عندما أتحدث عن الطرفين.
إن الفجوة بين الإبداع الشبابي وغير الشبابي لا تحددها الفجوة في الفارق الزمني بالأعمار، فمن الشباب لم يستطع الوصول إلى جدية الكبار ومثابرتهم بالتحصيل والتعب على الذات، ولا أقصد القدرات الأكاديمية فقط، ولكن بالمكانة الأدبية أيضاً والتي يمكن الاتفاق أو الاختلاف حولها.
وهناك من الكبار من يرفض الإبداع الشبابي ويستصغره، وكأنهم نسوا أنهم كانوا شباباً في يوم من الأيام ومتابعين لما هو جديد بالنسبة لهم، وهذا أدى إلى قطيعة وتغلغل أصوات دخيلة على الأدب والفن، أساءت إلى الجيلين ولم يؤد ذلك إلى استشعار الخطر من الطرفين، ولكن حمل كل طرف الطرف الآخر نتيجة ما يحدث.