أقلامهم

الدراما الكويتية بين الأدب واللا أدب!

كنا نسمع عبارة ” ورق ثقيل ام ورق خفيف ” ولم نكن ندرك معنى هذه العبارة ، وذلك يعود لندرة الورق الخفيف ووفرة الثقيل ، إلا ان الأحوال تبدلت وانعكست ، وفرضت علينا ان ندرك معنى تلك العبارة ، حيث يتساءل البعض عن قصة وزن الورق ، وماذا يعني لطالما ان الورق هو الورق سواء كان ثقيلاً ام خفيفاً ، المهم في النهاية هو عبارة عن مجموعة ورق ، وبكل اسف ان هذا هو مفهوم من بيده القرار دون ان يعي البعد المأساوي لهذا المفهوم والخطورة التي يتضمنها هذا الورق …!!
ان هذا الورق هو اخطر انواع الورق ،  فهو ” الأدب ” الذي يمشي ويتكلم ويفعل امام اعيننا واعين ابنائنا في كل يوم وكل ساعة ، ومع استمراره وتكثيفه لا يمكننا إلا ان نتأثر به ومن ثم نحاكيه ، فإن كان من الورق الثقيل فنحن ارتقينا في مجتمعاتنا ، وان كان من الورق الخفيف فقد خرجنا من جادة ” الأدب ” الى جادة ” اللا أدب ” فأسأنا الى انفسنا قبل ان نسيء الى مجتمعاتنا ، وهذا طبعاً إذا كان كاتب الورق يعنيه هذا المجتمع!.
ان ما يقدم من بعض الاعمال الدرامية على الشاشة الفضية ، والتي يفترض فيها ان تحمل أفكاراً وآراء وتوجهات يود مؤلفوها ان يطرحوها على الناس من اجل اقناعهم بها وتسويقها ، لأنهم المبدعون والخالقون لهذه الاعمال الفنية، ولأنه مهما كان دور المخرج والممثل وبقية العناصر فإن النص أي ” الورق ” يبقى هو الماده الأولى التي بدونها لا يمكن ان يخرج هذا العمل!.
ولكن وبكل أسى فقد وصلت الحال الى ان المتابع غير المتخصص لغالب هذه الأعمال يعي تماماً انها جاءت من نوع الورق الخفيف ، الذي يمتاز بالسطحية ويفتقد الى الرؤية المتعمقة والمتفحصة التي من شأنها ان تعالج دون ان تجرح مايشوب مجتمعنا من اخطاء وهنا لا يمكن ان نعممها عليه من خلال نماذج شاذه تم استيرادها وتكويتها من مجتمعات ساقطه تعيش في مخيلة كتابها لا أكثر ، وهي ابعد ما تكون عن مجتمعنا الكويتي!.
ان بعض ما يقدم من اعمال درامية محلية ، تخجل ان تشاهدها وانت تجلس مع افراد اسرتك بسبب المستوى المتدني والهابط لما تتناوله هذه الاعمال من افكار مريضة، والتي يحاول ان يسوقها مؤلفوها بحجة كشفها ومعالجتها .
 نعم نحن لا نعيش بالمدينة الفاضلة، كما اننا لا نعيش ايضاً في مدينة الفساد والرذيلة، التي تقدمها بعض هذه الاعمال من خلال الأساءة والطعن والتجريح لطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تجمع الأفراد في الأسره الكبيرة، او من خلال العزف على اوتار الخيانة الزوجية التي اصبحت ثيمة لا يخلو منها اي عمل درامي ، وعلى الرغم من ان هذه الاعمال عرضت في شهر رمضان الكريم شهر العبادة والمغفرة إلا انها جلبت معها كل ماهو فاسد ورذيل سواء من افكار مريضة او شخصيات ساقطة تعيش في حالة سكر طوال ذلك الشهر ، ولا اعلم ماهي طبيعة الرساله التي يود ان يقدمها مؤلفوها من خلال الترويج للماي اليابس وحليب السباع لنا ولأبنائنا؟!.
ان ابجديات الدراما تفرض على المؤلف ان يصور الحياة كما يجب ويرى ان تكون ، بمعنى ان ينتقل ويسمو بالواقع الفعلي الى الواقع المنشود الذي يتخيله وفق المرجعية الثقافية والفكرية التي يحملها هذا المؤلف ، وان يعالجها بحرفية ومهنية الكاتب الواعية المتلمسة والمدركة لمشكلات مجتمعه لكي يقدم رسالة فنية محملة بالقيم الأنسانية التي يسعى الى غرسها او تعزيزها في هذا المجتمع او ذاك؟!.
ان مانشاهده اليوم من بعض الأعمال الدرامية والتي تسعى الى تشويه الواقع والأساءة الى المجتمع الكويتي هو نتيجة حتمية لغياب دور المؤسسات التعليمية وللنظرة القاصرة التي ينظر بها المسؤول لهذه المؤسسات التي من شأنها ان ترتقي بهذا الفن ، إلا انه تم تهميشها وعدم رعايتها الرعاية الصحيحة، وخير مثال على ذلك هو قسم التلفزيون في المعهد العالي للفنون المسرحية المختص في هذا النوع من الفنون ، الذي تم اقراره ، ولكن مع الأسف كان إقراراً مع وقف التنفيذ!.
وقد بات جلياً اننا اليوم في امس الحاجه لتفعيل هذا القسم ليباشر أعماله من اجل النهوض مره اخرى بالحركة الدرامية التلفزيونية وليحمل تركة ثقيلة تسبب فيها غياب قرار تفعيل هذا القسم غير المدرك للفرق بين الورق الثقيل والورق الخفيف!.
* استاذ الدراسات التلفزيونية
المعهد العالي للفنون المسرحية