سلبيات يجب تلافيها..!
كتب أحمد الديين
لا يستطيع أحد أن ينكر أنّ القوى الشعبية في الكويت قد راكمت طوال السنوات الخمسين الأخيرة العديد من التجارب والخبرات في المعارك السياسية الدائرة دفاعا عن المكتسبات الدستورية أو في جولات التصدي لقوى الفساد ونهج الانفراد بالسلطة، وكذلك من أجل تحقيق إصلاحات سياسية، التي كان من أبرزها: التحرك المضاد لمشروع السلطة لتنقيح الدستور في بداية الثمانينيات، وتجمعات ديوانيات الإثنين في العامين 1989 و1990 من أجل عودة العمل بالدستور، والتحرك الداعي إلى إصلاح النظام الانتخابي وإلغاء نظام الدوائر الخمس والعشرين في العام 2006، والحراك الشبابي الذي بدأ في أواخر 2009 تحت عنوان “ارحل نستحق الأفضل” واستمر إلى أواخر العام 2011 بعدما تنامى وأصبح حراكا شعبيا واسعا ضد نهج السلطة في إفساد الحياة السياسية وإهدار الحصانة المطلقة للنواب وتعطيل آلية المساءلة السياسية وملاحقة المعارضين بالقضايا… بل أنّ هناك سجلا من النجاحات المتلاحقة سبق أن حققته القوى الشعبية في تصديها لمحاولات السلطة توريط المحكمة الدستورية في صراعات سياسية، وهذا ما تجلى في إجبار الحكومة على سحب طلب تفسير المادة 71 من الدستور الذي قدمته إلى المحكمة الدستورية في العام 1995، ودفعها إلى التخلي عن تلاعبها الفاضح في مشروع قانون الدوائر العشر الذي ربطت تقديمه إلى مجلس الأمة في مايو 2006 بإحالته في الوقت ذاته إلى المحكمة الدستورية، وكذلك اضطرار الحكومة في فبراير 2011 إلى سحب طلب تفسير عدد من مواد الدستور بهدف تحصين رئيس مجلس الوزراء تجاه المساءلة النيابية الذي كانت قد قدمته إلى المحكمة الدستورية في يناير من ذلك العام.
ولعلّ الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تلك التجارب والمعارك السياسية هو ما تمثله حركة الجماهير الشعبية من قوة ضاربة لا يستطيع أحد أن يستهين بها في مواجهة التعدي السلطوي على حقوقها وفي التحرك من أجل نيل مطالبها، وذلك عندما تعي هذه الجماهير خطورة التحدي الذي يواجهها والتعدي الذي يستهدف حقوقها وأهمية القضية التي تدافع عنها أو المطلب الذي تسعى إلى تحقيقه، وهذا هو دور القوى والنخب السياسية المعنية بالشرح والتوضيح وتوعية الرأي العام وتعبئة الجماهير وتنظيم تحركها.
وها نحن اليوم أمام جولة جديدة من الصراع التاريخي المرير مع نهج السلطة في الانفراد بالقرار لتفصيل النظام الانتخابي وفق مقاسها لكي تتحكّم أكثر في مخرجات العملية الانتخابية ولتمنع بالتالي تشكّل غالبية نيابية مستقلة عنها… وعلينا أن نلاحظ أنّ هذه الجولة من الصراع تختلف كثيرا عن الجولات السابقة، إذ لم تعد السلطة قادرة على اللجوء مجددا إلى أساليب القمع والانقلاب المباشر على الدستور، مثلما كانت الحال سابقا، بالإضافة إلى ارتفاع سقف المطالبات الديمقراطية التي لم تعد منحصرة في الدفاع عن الدستور، بل أصبحت تستهدف الانتقال المستحق إلى النظام البرلماني الكامل عبر إشهار الهيئات السياسية؛ وإقرار نظام الدائرة الواحدة والتمثيل النسبي للقوائم الانتخابية؛ وتشكيل الحكومة البرلمانية… ولكن المؤسف في مقابل هذه النقاط الايجابية لصالح الحراك الشعبي ما يشهده المجتمع الكويتي من حالة غير مسبوقة للاستقطابات الطائفية والفئوية والمناطقية والقبلية الشديدة التي تنعكس سلبا على أي حراك شعبي، ما يمنح السلطة هامشا واسعا من حرية المناورة والقدرة على الخداع وخلط الأوراق باللعب على الانقسامات واستغلال التوازنات… وهناك أيضا نقاط ضعف ذاتية أخرى ناجمة عن محاولة بعض الأطراف السياسية أو النيابية الاستئثار بالحراك الشعبي والانفراد بقيادته وتهميش أي طرف آخر، بما في ذلك الأطراف الواضحة تماما في معارضتها لنهج السلطة، والأسوأ من ذلك هو رفع الأطراف المستأثرة بالقيادة شعارات متسرعة وإطلاقها تصريحات إعلامية تتضمن دعوات غير مدروسة، إن لم يكن بعضها غير واقعي، من شاكلة الطرح المبكر لشعار مقاطعة الانتخابات المقبلة؛ والحديث غير المسؤول عن “الإضراب العمالي العام” من دون مراعاة لواقع الحركة النقابية العمالية الكويتية وقدراتها، ما يؤثر على صدقية الحراك الشعبي ويستثير خلافات جانبية بين أطرافه ويشتت جهودها فيما لا طائل من ورائه… وهذا ما يجب تداركه في أسرع وقت والعمل على تصحيحه على نحو مسؤول وواضح وشفاف.

أضف تعليق