2 أغسطس آخر
بثينة العيسى
في يوم الخميس الموافق 2 أغسطس 2012 كنتُ أسترجعُ ما حدث في يوم الخميس الموافق 2 أغسطس 1990. كنتُ أسترجع ذكرى الغزو الذي شنه النظام البعثي الصدامي على بلدي وأحاولُ أن أرتب الأفكار داخل رأسي.
مرّ اثنان وعشرون عاماً على ذلك اليوم الذي لا تبرحُ تفاصيله الذاكرة، ومنذ طفلة الثمان سنوات وحتى امرأة الثلاثين عاماً .. يتسيّد الاحتلال ذاكرتي، منتصباً بإفراط، مثل شيءٍ لا يمكنُ تفسيره.
الآن بتنا نعرفُ حجم الأخطاء التي وقعت بها الدولة والتي كان يمكنُ بتلافيها تجنب الدمار الهائل الذي حدث، ومع ذلك لا تأخذ العلاقات في رأسي شكل (سبب) و(نتيجة)، لأن الحرب تأخذ طابعاً لا منطقياً على الدوام، ولأن العدوان لا يمكنُ تبريره على أي صعيدٍ أخلاقيّ أو قانوني. ليس بالنسبة لي فقط، بل بالنسبة للإنسان العراقي الذي يحاولُ أن ينظف رأسه من “بروباغاندا” النظام السابق وأن يفكر بمنأى عن خطابهِ السائد. لقد قطعنا شوطاً صعباً.
مرّ بنا إذن اثنان وعشرون عاماً. في فجر ذلك اليوم، وبعد أن علمتُ بأن بلادي باتت – في ليلةٍ واحدة – ترزح تحت احتلال دولةٍ أخرى، كنتُ قد قررتُ بعقلي الطفوليّ ذي الثمان سنوات أن أفعل شيئاً مفيداً. وفكرت: إذا كانت تلاوة سورة البقرة قادرة على طرد الشياطين فهل تقدر على طرد المحتلين؟
سوف يتطلب الأمر أكثر من ذلك على ما يبدو. كان عليّ وأنا طفلة أن أفهم بأن اليد الإلهية لا تتدخل لترميم الفساد والدمار الذي يصنعه البشر، وأن علينا أن نصنع تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا بأنفسنا، وأن لا ننتظر الملائكة التي تتنزل من السماء، ولا الطير الأبابيل، ولا انشقاق البحر، لكي تصير الأمورُ على ما يرام. وأنه من العبث أن نصنف الناس إلى “طيبين وأشرار” ونطالب القدرة الإلهية بأن تنحاز إلى طرفٍ على حساب آخر.
ولأن العالم كان قد تغيّر أكثر مما أطيق، وبشكلٍ درامي يتجاوز قدرتي على منطقة الأشياء وفهمها ووضعها في نصابها، كنتُ قد بدأتُ في الكتابة، في دفتر مذكرات معطر ووردي كتبتُ ذكرياتي السوداء. كتبتُ عن شوقي إلى المدرسة، عن انقطاع الكهرباء واستخدامنا للشموع، عن شح المياه، عن تكبيرنا في السطوح، عن السماء الرمادية بفعل حرق الآبار، عن نومنا في السرداب، عن الذهب الذي دفناه في الحديقة، عن حرقنا لصور التجنيد الخاصة بأبي، عن النوارس التي تحط أمام ركام القمامة في الأحياء السكنية، عن قن الدجاج الذي بنيناهُ بجانب البيت، عن مزرعة الخضار الصغيرة التي زرعناها لنحقق كفايتنا من الغذاء، وعن أشياء أخرى أتذكر الآن .. ملمسها وطعمها ورائحتها. بالنسبة لي – على ما يبدو – كانت تلك الحرب هي وقودي الأوّل للكتابة، وأتساءل إن كان لهذا أي علاقة بعجزي عن الإتيان بنص لا يزرح تحت الوطأة الثقيلة والملتبسة للحزن.
وحتى عهدٍ قريب سألني البعض: متى تكتبين عن الاحتلال؟ ولا أعتقدُ بأنني في يومٍ ما سأكون قادرةً على ذلك. لقد انتهت المسرحية، وانكشف الوجه الآخر القميء للإنسانية، وسقطت ورقة التوتِ عن الكثيرين، في العراق والكويت على حدّ سواء، ولكي نفهم حجم الضرر الذي وقع على المنطقة برمتها، لنتذكر بأن أكبر سفارة لأمريكا في الشرق الأوسط توجد اليوم في بغداد. إن الدمار لا يُحتمل. وسيكون علينا وعلى أجيالٍ كثيرة تأتي من بعدنا أن نرمّم هذا الدمار، وأن ننتشل بلداننا من حالة الشلل والعبث السياسي والانقسام الطائفي، وحتى يجيء ذلك اليوم الذي أجد فيه العراق والكويت وجميع الدول العربية حرة من النفوذ الأمريكية والإسرائيلية المستفيدة الأولى من أخطائنا، فسأفعلُ مثل الجميع، سأشجع أولادي على متابعة مسلسل “ساهر الليل” وأشرح لهم بأن الوطن لا يعوّض.

أضف تعليق