الميزان
بين الإمارة والحكم
محمد عبدالقادر الجاسم
تعددت الآراء وتنوعت واختلفت حول موضوع الإمارة الدستورية في الكويت. ومع كل التقدير والاحترام للآراء المعارضة، إلا أن تطبيق الإمارة الدستورية هو أحد أهم الحلول العملية للمشكلات السياسية المتكررة في الكويت. فلا أظن أنه يخفى على المتابع للشأن السياسي الكويتي أن أصل المشكلة في الكويت وجود سلطات واقعية غير دستورية لذرية مبارك الصباح تفوق السلطات الدستورية، واستمرار الخلط بين «الإمارة»، التي هي رئاسة الدولة وأسندها الدستور إلى ذرية مبارك الصباح، وبين «الحكم» الذي هو إدارة شؤون الدولة الذي أسنده الدستور إلى الأمة. إن المعنى الجوهري لتطبيق الإمارة الدستورية هو الفصل بين شؤون الإمارة وشؤون الحكم، وهو لا يحتاج إلى تعديلات دستورية، وإنما يحتاج إلى التزام كامل بنصوص الدستور وروحه، مع تكريس بعض التقاليد والأعراف.
فالدستور الكويتي يأخذ بقاعدة عصمة الأمير، وهي مشتقة من قاعدة «أن الملك لا يخطئ»، وأصل هذه القاعدة أن الملك (لا يمكن) أن يخطئ، وهي لا تعني أن الملك معصوم عن الخطأ، بل تعني أن الملك، كي لا يخطئ وكي لا يحاسب على خطئه، يجب ألا تكون بيده سلطة فعلية، لأن وجود السلطة الفعلية لديه معناه أنه سوف يخطئ حين يمارسها، وهذا الخطأ يوجب محاسبته. لكن لكونه ملكا، فإن المحاسبة ممنوعة. وصيانة ذات الملك تأتي كمقابل لابتعاده عن السلطة، أما إذا أراد الملك أن يمارس صلاحيات فعلية، فإن عليه أن يتقبل مبدأ المحاسبة والتخلي عن قاعدة الإعفاء من المساءلة.
في الكويت، يمكن القول إن الشيخ عبدالله السالم فهم الدستور وعمل به بما يملك من حنكة وحكمة، فمارس دوره المرسوم بالدستور كرئيس دولة، فلم يخلط بين رئاسته للدولة وبين هيمنته على مجلس الوزراء، ولم يخلط أيضا بين رئاسته للدولة وبين انتمائه لذرية مبارك الصباح. غير أن أسلوب الشيخ عبدالله السالم انتهى بوفاته، ومن بعده اختلطت رئاسة الدولة برئاسة مجلس الوزراء بزعامة أسرة الصباح. وفي عهد الشيخ جابر الأحمد تم غرس فكرة «النظام الأبوي» لمنح رئيس الدولة مقاما سياسيا أكبر.
ولو التزمنا بالتصوير الدستوري في ممارسة شؤون إدارة الدولة لما أصبح العمل السياسي في البلاد، وكأنه مواجهة مستمرة بين أسرة الصباح والقوى السياسية الشعبية، بل لأصبح مواجهة محمودة بين القوى السياسية التي تنخرط في الحكومة والقوى السياسية الممثلة في البرلمان، ويكون الأمير بمثابة الحكم المحايد بينهما بوجود رقابة فاعلة للرأي العام.

أضف تعليق