أقلامهم

جاسم الشمري: أزمة الكويت في أن النوايا غير صافية، كلا الطرفين يعطي من المؤشرات للآخر ما يجعله مؤمنا بسوء سريرته.

كل فريق يشك في معطيات الآخر وأهدافه فتوقفت مسيرة الدولة
أزمة الكويت… نوايا غير صافية
جاسم محمد الشمري
الكويت الآن (معلقة لا هي متزوجة ولا هي مطلقة) وهو الوصف الأقرب للحالة السياسية التي تعيشها الدولة، فبرلمان معطل بانتظار رصاصة رحمة وحكومة تنتظر حكما قضائيا قد يفرج أسارير السلطة في معاودة السيطرة على مفاصل الأمور وما بين هذا وذاك لا يبدو أن هناك من يهتم بدولة تمتلك كل أسباب القوة والنجاح غير أنه يفتك بها ترهل اداري وفساد مالي وتسيب وظيفي.
السلطة غير قادرة على الاتيان بمشروع تنموي واضح الملامح تحشد له قوى مجتمعية موثوق بها من جهة ومن جهة أخرى هي لا ترغب في مد يدها الى قوى مؤثرة في المجتمع على اعتبار أن مد اليد هذه قد يفسر على أنه نقيصة أو خضوع منها.
وفي المقابل فان القوى المؤثرة لا تتعامل سياسيا الا وفق منطق لا أريكم الا ما أرى متجاهلة أن ما لا يدرك كله لا يترك جله وهو المبدأ السياسي الذي تقوم عليه الأمم وتتقدم عبر مفاوضات يجريها سياسيوها يتحقق لهم منها في جولة مطالب وفي جولة أخرى مطالب وهكذا.
نعم للقوى المؤثرة الحق في هواجسها تجاه السلطة حيث ان الأخيرة لم تبادر مطلقا الى مد جسور تفاهم لها معها بعد صدور حكم المحكمة الدستورية رغم كم الاشارات التي بعثتها أغلبية المجلس المبطل تجاه التعاون مع الحكومة القائمة ورغبتها في تمرير مشاريع اصلاحية لم يسعفها الوقت لبحثها في عمر برلمانها القصير.
بطبيعة الحال فان الحديث عن اتجاه السلطة لتعديل الدوائر الانتخابية جاء سابقا لحكم المحكمة الدستورية وهو ما يكشف نوايا مبيتة قوامها عدم الاطمئنان لمخرجات العملية الانتخابية الأخيرة وهو ما عبر عنه قطب حكومي حينما أخبرني أن السلطة تفضل التعامل مع كانتونات سياسية لا أغلبية واحدة تربكها وهو وان غدا مفهوما حرص السلطة على عدم الرغبة في التفريط في هيمنتها على مجريات الأحداث الا أنه لا يبدو مفهوما في العرف السياسي الذي يقوم على أن تبحث الحكومات عن أغلبية مريحة لها تمكنها من ادارة مفاصل المجتمع.
تغيير الدوائر الانتخابية لن يكون المخرج المريح للسلطة وتجريب المجرب مع افتراض أن يعطي نتائج مختلفة ليس من الحكمة في شيء ويبدو انه سيكون خطأ قاتلا، اذ عمدت السلطة على تغيير الدوائر في العام 1981.
وفي العام 1985 اضطرت الى تعليق العمل بالبرلمان بعدما جاءت النتائج مخيبة لها كما أن الارتكان الى تشكيل أغلبية انتهازية أثبت مرة تلو أخرى فشله والانتهازية هنا نعني بها فئة السياسيين الذين يرون أن دعم خيارات السلطة يجب أن يحقق لهم منافع شخصية مباشرة أو غير مباشرة.
نعم نوافق السلطة على أن توزيع الدوائر الانتخابية الحالي أسهم في انتشار أمراض اجتماعية حقيقية غير أنها يجب أن تعترف ان ذلك ما جنته هي على المجتمع فالتقسيمة الحالية تقسيمة حكومية أرادت منها الاحتفاظ بمخرجات الـ 25 المريحة نسبيا لها غير أنها أغفلت أن التطور السياسي والحراك الاجتماعي نقل مواقع المعارضة وبدل نهجها ولئن كانت القبائل في سالف عهدها تخرج المريدين والاتباع فانها في المرحلة الأخيرة باتت مفرخة لنواب لا يداهنون ولا يمالئون السلطة.
ولئن كانت السلطة مخطئة في اتجاه فان المعارضة أخطأت في اتجاهات فهي لم تستوعب بعد أن سياسة حرق المراحل لا يولد الا فوضى وارتباكاً في أوصال المجتمع من جهة ومن جهة أخرى فان التطور الطبيعي هو ما يمكن أن يجعل السلطة مطمئنة الى نوايا هذه المعارضة.
المعارضة انشغلت بالتنقيب عن مواطن الفساد فلا هي التي أزاحت الستار عنه سريعا من منطلق (اقطع عرق وسيح دم) ولا هي التي أسلمت أن لا مجال للبحث في كل هذه الملفات المتراكمة وبالتالي فان ما يمكن عمله سن قوانين تمنع تنامي دائرة الفساد وتضيق الخناق عليها، وفي ذلك كانت المعارضة كمن ضيع صيدته في عجاجته، وكان الاعتذار في أن الوقت لم يسعفها غير مقبول فهناك جلسات لم يتوافر لها النصاب وهناك جلسات رفعت باستجابة تلك الأغلبية للدخول في صراع مع أقلية كانت تهدف لذلك كما أن وتيرة العمل في لجان التحقيقات لم تكن سريعة وشابها التكاسل والتسويف.
أزمة الكويت الحقيقية في أن النوايا غير صافية، السلطة تشك في القوى المؤثرة بانها تريد الاستئثار بالقوة والمنعة والادارة، والقوى المؤثرة تشك أن السلطة لا تريد مشاركة الأمة في سلطاتها وتجنح نحو الاستفراد فيها وكلا الطرفين يعطي من المؤشرات للآخر ما يجعله مؤمنا بسوء سريرته.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.