أقلامهم

فالح بن حجري: كان أهلنا يقولون لنا «لك ولا للذيب» لتشجيعنا، وأنتم أيها المواطنون «حقوقكم هي لكم ولا للذيب»

لك ولا للذيب 
فالح بن حجري 
إن كان تاريخ الشعر العربي يذكر خليل مطران كشاعر القطرين فإنه ولا شك سيذكر الشاعر المصري الفذ عبدالحميد الذيب كشاعر «القطران» فهو «سيجارة» شعرية دخنها زمان الإبداع الشعري حتى الثمالة ورمى ببقايا قطفها على الرصيف لتدوسه أقدام الأيام.
«التعاسة» تتبع الذيب إلى باب بيوته الشعرية الفخمة فيفتح لها الباب على مصراعيه ليدخل منه ريح قوافيه فيستريح قلبه التعيس الحظ الأتعس واقعا على ألحان شجون أرسلها عبر بريد حياة لم يعرف فيها يوما للسعادة عنوانا.
هذا الشاعر المظلوم لم تكفه ديونه المالية فأكمل نصف دينه الشرعي وتزوج امرأة بدينة تكبره بسنوات لعلها تؤويه بعد تشرد وتطعمه بعد جوع، وكانت ليلة زواجه مشهودة سماها أصدقاؤه الأدباء «ليلة الدخلة الأدبية» وأقاموها في مقهى الفيشاوي الشهير ليس حبا في الذيب، لكن كرها أن تفوتهم إحدى طرائفه غير المتوقعة.
وتزوج الذيب من السيدة إحسان وقضى أسبوعا من العسل في شقتها إلى أن خرج بعد الأسبوع ومعه طبق لشراء الفول المدمس للفطور، وما ان رأى الشوارع حتى حن لها وترك الطبق جانبا ليدخل في زحام الناس، وغاب الذيب عن إحسان وطالت غيبته لشهور حتى التقته مصادفة وهو هائم على وجهه فسألته: كنت فين يا عريس الغفلة؟ فنظر إليها وقال بكل بساطة «ذئبية»: حرامي سرق مني طبق الفول.. فخفت أرجع وإيدي فاضية تزعلي.
أثبت الذيب برده هذا أنه سياسي محنك بالإضافة إلى شاعريته السافرة فنظرية «خفت أرجع وإيدي فاضية تزعلوا» هي نظرية الجواب المثالي لأهل السياسة أمام كل سؤال حائر من جموع المواطنين
أين كنتم عن التعليم يا سياسي الغفلة؟ المجلس عطل المشاريع التربوية فخفنا أن نرجع لكم طبق التعليم فاضيا تزعلوا!
أين كنتم عن الصحة يا سادة؟ الميزانية تعاني ارتفاع حمى أسعار البترول المنخفضة وخفنا نجرح مشاعر آمالكم وتزعلوا!
أين الفوائض المالية يا قومنا؟ خفنا أن نقول لكم لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم «فتعترضون على كلام ربنا» وتأثمون وتدخلون النار!
أين الدستور يا نواب الأمة؟ أين الكويت يا حكومة؟ ولا تخافوا من زعلنا فالصراحة راحة!
كان أهلنا يقولون لنا «لك ولا للذيب» لتشجيعنا، وأنتم أيها المواطنون الخائفون على «زعلكم «والراغبون في «اعلالكم» حتى الموت «حقوقكم هي لكم ولا للذيب «ان كانت لكم فطالبوا بها فأنتم مصدر السلطات جميعا وان كانت لعبدالحميد الذيب فلا أظنه سيقول أمام وضع سياسي كهذا إلا كما قال لأهل الشعر يوما: يا رجال الشعر والفن الرصين لعن الله أباكم أجمعين.