اسفار
امتحان الفيلم المسيء: لم ينجح أحد
سعدية مفرح
كلنا وضعنا العقل جانبا وتصرفنا وفقاً لانفعالاتنا السريعة أحيانا ولأجنداتنا المسبقة المعلنة وغير المعلنة أحيانا أخرى، ووفقا لهما معا في المجمل.
كلنا.. فعلنا ذلك، وككل من يفعل ذلك سقطنا في الامتحان ولم ينجح أحد.
ولأبدأ بنفسي.
عندما شاهدت مقاطع من الفيلم المسيء للنبوة الجليلة كنت أغلي تماما، كان دمي يفور، ويداي ترتعشان، وعيناي بين اغماضة واخرى، احاول الا ارى، واحاول ان اتحقق مما ارى في الوقت نفسه.. لم ابحث عن الفيلم، بل شاهدته بما يشبه الصدفة، ثم لم أكمل المشاهد حتى نهايتها، لكنني كنت اناقض نفسي في ردود فعلي تجاه ما رأيت من خلال ما كتبته من تعليقات مباشرة عبر موقع تويتر.
كنت في اللحظة التي اشاهد فيها الفيلم أود لو ان صُنّاعه يقفون بين يدي لأقطعهم بأسناني. لم أتأكد مما فعلوه، ولم أنتظر، ولم أتساءل حتى.. بل إنني لم أفكر بالمطالبة بتحويلهم للقضاء، اريد ان آكلهم فقط.
لم تكن هي المرة الأولى التي أرى فيها مثل هذا الغثاء، وهذه البجاحة، وهذا الرخص على الصعيد الفكري (تجاوزا)، وعلى الصعيد الفني ايضا. ولم أكن ممن يصدون عن قراءة ما يضايقهم ويتناقض مع أفكارهم، مهما بلغت درجة الاختلاف، ومها بغلت اللغة المستخدمة في بلورة ذلك الاختلاف، والخلاف أيضا من قسوة، وحتى على صعيد العاطفة الدينية وما تؤدي إليه أحيانا لم يكن هذا الفيلم المقزز أول مادة أتعاطى معها في حياتي تتناول السيرة المحمدية بهذه الوقاحة والزيف.. فقد قرأت الكثير مما كتبه المزيفون والناقمون على تلك السيرة العظيمة أيضا. لكنها المرة الأولى التي أرى فيها كل هذا مجسدا على شاشة جهاز الآيفون من خلال أناس يتحدثون بلغتي العربية، وأن كان ذلك عبر الدبلجة، ويشوهون سيرة نبينا الكريم بكل هذا التعمد المقيت.. لكن هذا كله ليس عذرا لي لكي أتردى نحو شَرك رد الفعل العفوي بهذا الطريقة غير المسبوقة تقريبا. كان علي مثلا أن اطالب بمعرفة الحقيقة أولا.. قبل أن أحد أسناني لالتهام ضحيتي المتوقعة. لم أفعل بيني وبين نفسي.. وبدت انفعالاتي واضحة الى حد كبير، وإن لم تكن صريحة في ما أكتب من تعليقات..
واضح انني سقطت في الامتحان..
طبعا لم أكن وحدي من سقط..
منذ البداية سقط صناع الفيلم في امتحان انسانيتهم ومهنيتهم السينمائية أيضا، ولن أتحدث هنا عن أفكارهم وما يؤمنون به تجاه الاسلام ونبي الاسلام، فهذا موضوع آخر لسنا بصدد مناقشته أو مؤاخذتهم عليه هنا، فما أقدموا عليه من تصوير لهذا الفيلم يجعلهم أقل من مجرد فكرة النقاش حول أفكارهم في هذا الفيلم أصلا.
موقع غوغل، الذي بث مقاطع الفيلم عبر نافذته الشهيرة «يوتيوب»، سقط أيضا في الامتحان، وسقط في تبرير سقوطه أيضا. فغير صحيح أن الفيلم الذي بثه وظل مصرا على بثه، حتى وهو يرى ردود الفعل التي أسقطت ارواحا بشرية في أتون حرائقها، لا يخالف سياسة النشر فيه، وفي رصد بسيط لما حذفه هذا الموقع من مواد في تاريخه، نتيجة لردود الفعل حولها يكذب حججه الآن كلها.
أما الحكومة الاميركية، التي لم تطالب، منذ البداية، موقع غوغل بحذفه كما فعلت، على سبيل المثال فقط، مع صورة نشرتها غوغل في وقت سابق وتظهر ميشيل أوباما تشبه القردة.. حيث نجحت يومها بحذف الصورة من دون أن تتحجج بحكاياتها المكررة عن حرية الرأي والنشر في أميركا.
وهي حتى لم تبادر لاستنكار بث الفيلم ووصفه بالمقزز، الا بعد أن خسرت بعض دبلوماسييها في ليبيا، وأصبحت كل مصالحها مهددة في العالم الاسلامي. فقد كانت تعرف تماما كيف تتعامل مع فيلم كهذا لا يهدد أمنها القومي وحسب، بل يجرح مواطنيها من المسلمين الاميركيين على الاقل، وليذهب غيرهم الى جحيم قوتها المهيمنة على العالم.. لكنها تصرفت وفقا لسياسة ردود الفعل.. وأرسال الأساطيل والمارينز.. والحديث على حرية الرأي والعدالة.. على هامش من السكوت عما تفعله في غوانتانامو من أفعال لا تمت الى فكرة العدالة بصلة.
ولا أريد الحديث هنا عن سقوط الحكومات العربية والاسلامية في هذا الامتحان، فيكفي ان معظم الزعماء لم يبادروا حتى بإبداء رد الفعل التقليدي بالشجب للفيلم والتنديد بصناعه، الا بعد أن شجبت هيلاري كلينتون ونددت.
والآن.. ماذا عن كثير من الجماهير العربية التي تظاهرت عند سفارات الولايات المتحدة في معظم العواصم بعنف وصل الى القتل والحرق والتدمير، احتجاجا على فيلم يشوه الاسلام، فظهر على أنه دين القتل والحرق والتدمير؟
سقط الجميع إذاً.. ولم ينجح أحد.

أضف تعليق