أقلامهم

الديين: حماية الدستور تشمل من بين ما تشمل التصدي لمحاولات إفراغه من مضامينه عبر إصدار قوانين متعارضة معه.

التناقض المزعوم والتناقض الحقيقي!
كتب أحمد الديين
يتوهم البعض ويحاول أن يشيع وهمه بأنّ هناك تناقضا بين الدعوة إلى حماية الدستور والدعوة إلى إحداث إصلاحات سياسية ودستورية تدفع باتجاه الانتقال المستحق نحو النظام البرلماني الكامل عبر وجود أحزاب سياسية؛ ونظام انتخابي لدائرة واحدة يقوم على التمثيل النسبي والقوائم؛ والإقرار بمبدأ التداول الديمقراطي للسلطة التنفيذية.
إنّ حماية الدستور لا تعني على الإطلاق “الحفاظ” أبد الآبدين على الحدّ الأدنى المتوافر من المكتسبات المتحققة والضمانات الديمقراطية الواردة في دستور 1962 والإبقاء عليها على ما هي عليه من دون تطوير أو تغيير نحو الأفضل، وإنما تعني حماية الدستور حماية هذه المكتسبات والضمانات تجاه التعديات السلطوية المتكررة عليها… كما تعني رفض أي تعطيل لأحكامه أو الانقلاب عليه، مثلما سبق أن فعلت السلطة مرتين في العامين 1976 و1986، وكذلك التصدي لأي محاولة لتنقيح الدستور خارج الآليات المقررة للتنقيح أو بالانتقاص من الحقوق والحريات الديمقراطية مثلما حاولت وفشلت في العام 1980 أثناء فترة الانقلاب الأول على الدستور عبر “لجنة النظر في تنقيح الدستور”، ثم كررت المحاولة الفاشلة للتنقيح في العام 1981 عبر مجلس الأمة الخامس من خلال التزام شكلي بالآليات ونقض صارخ للمضمون الديمقراطي للدستور وذلك بالانتقاص من الضمانات والانقضاض على الحقوق والحريات الديمقراطية… وكذلك أيضا فإنّ حماية الدستور تشمل من بين ما تشمل التصدي لمحاولات إفراغه من مضامينه عبر إصدار قوانين متعارضة معه، ورفض الإجراءات التي تنتهك أحكام الدستور، مثلما حدث عندما تعمّدت الحكومة إهدار مبدأ الحصانة البرلمانية الموضوعية لعضو مجلس الأمة النائب الدكتور فيصل المسلم، أو مثلما تسعى هذه الأيام لتفصيل النظام الانتخابي وفق مقاسها.
صحيح أنّ المادة السادسة من الدستور تنصّ على أنّ نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، ولكن “ديمقراطيتنا” الكويتية لا تزال منتقصة ولا بد من استكمالها… إذ لا يمكن أن يوصف نظام دستوري بأنه ديمقراطي إذا كان مثل هذا النظام يرفض الإقرار بالتعددية الحزبية والسياسية… وليس هناك نظام ديمقراطي في العالم يجيز أن يتم تعيين نحو ثلث أعضاء البرلمان من غير النواب المنتخبين، مثلما هي حال عضوية الوزراء من غير النواب في مجلس الأمة… وليس هناك نظام برلماني ديمقراطي يمنع نواب الأمة من حجب الثقة عن رئيس مجلس الوزراء ويبالغ في تحصينه تجاه المساءلة السياسية على النحو الوارد في دستور 1962، أو لا يجيز طرح الثقة بالحكومة ككل، على خلاف ما هو متبع في البلدان ذات النظم البرلمانية الديمقراطية… ناهيك عن أنّه ليس هناك في العالم نظام يدعي أنّه ديمقراطي في الوقت الذي لا يمكن أن تنعقد فيه جلسات البرلمان عندما تتغيّب عنها الحكومة، كما هو حالنا في الكويت… وهذا هو التناقض الحقيقي بين دستور الحدّ الأدنى ومتطلبات التطور الديمقراطي!
لقد سبق لغالبية أعضاء لجنة إعداد الدستور في المجلس التأسيسي عندما صاغوا الوثيقة الدستورية في العام 1962 أن دعوا إلى تبني النظام البرلماني، ولكن ممثل السلطة حينذاك اعترض وبشدة وحاول أن يعرقل إقرار الدستور، فتمّ القبول بحلّ وسط، كان يفترض أن يكون وقتيا، يقضي بتبني الطريق الوسط بين النظامين البرلماني والرئاسي… وقد حان الوقت الآن بعد نصف قرن على صدور الدستور لتحقيق الانتقال الذي طال انتظاره نحو النظام البرلماني الكامل… وبالطبع فإنّ تأمين مثل هذا الانتقال المستحق يتطلب حماية دستور الحدّ الأدنى ومكتسباته من محاولات التعدي السلطوية، مثلما يفترض بالضرورة التصدي أيضا لقوى التزمت التي تحاول أن تنقض على الطابع المدني للدولة أو تسعى لفرض وصايتها المرفوضة على الحريات الشخصية والحياة الخاصة للأفراد ومعتقداتهم!