أقلامهم

رايتشل كوري .. النور الذي يشعُّ هناك

”  أنا هنا من أجل الأطفال الآخرين، أنا هنا لأنني أهتم.
أنا هنا لأن الأطفال يعانون في كل مكان،
ولأن 45000 شخص يموتون يومياً بسبب الجوع.
أنا هنا لأن أغلب هؤلاء الأشخاص هم أطفال.
يجب علينا أن نفهم، بأن الفقراء حولنا في كل مكان، وأننا نتجاهلهم.
ويجب أن نفهم، بأن بإمكاننا تجنب هذه الوفيات.
يجب أن نفهم بأن الناس في دول العالم الثالث، يفكرون
ويهتمون، ويبتسمون، ويبكون، 
مثلنا تماماً.
يجب أن نفهم بأن هؤلاء هم نحن، ونحن هم.
حلمي هو أن نقضي على الجوع في العام 2000
حلمي هو أن نعطي الفقراء فرصة.
حلمي هو أن ننقذ 45000 شخص الذين يموتون يومياً.
يمكنُ لحلمي أن يتحقق، وسيتحقق
إذا نظرنا إلى المستقبل، ورأينا النور الذي يشعّ هناك.”
قائلُ هذه الكلمات طفلة عمرها عشر سنوات، في الصف الخامس الابتدائي، أمريكية من أصل يهودي، شقراء بريئة العينين، اسمها رايتشل كوري. رايتشل كوري نفسها؟ التي كبرت فيما بعد لتصير مناضلة شرسة لحقوق الإنسان في فلسطين، وتنخرط في مقاومة الاحتلال؟ لكي تصير مناضلة عتيدة وشجاعة إلى درجة التصدّي للجرافات الاسرائيلية بجسدها الصغير، الهش، وتعريض نفسها للدهسِ مرتين، للدهس حتى الموت؟ هل قلت الجرافات الإسرائيلية؟ الجرافات نفسها؟ الجرافات التي تخرج في الصباحِ الباكر لكي تهدم البيوت وتقتلع أشجار الزيتون والبرتقال وتقتل كل من يقف في طريقها، الجرافات التي تحوّل الوطن إلى مستوطنات؟ نعم، هذه الجرافات، هل تتذكرونها؟ الجرافات التي تقوم بمهمتها على أكمل وجه، مهمة تهويدِ الأرض وتشريد إنسانها ونفيهِ وإقصائه، في غمرة الصمت الذي يصم الآذان، الصمت العالمي المتواطئ الذي نعرفهُ جيداً ونميّزه من بين أنواع الصمت الأخرى.
توفيت رايتشل كوري وهي لم تتجاوز السابعة والعشرين من عُمرها. توفيت في أرض فلسطين وهي تتقلد الكوفية الفلسطينية، بالشكل الذي اختارتهُ لنفسها، في المكان الذي اختارته لنضالها.
توفيت رايتشل بشكل ينسجم تماماً مع إنسانيتها الصقيلة والناصعة، مع الحياة التي اختارتها لنفسها منذ طفولتها المبكرة. وما حدث   يوم الثامن والعشرين من أغسطس  2012، هو أن القضاء الإسرائيلي قد برّأ القاتل من دمِ القتيلة ورفض إدانته. الأمر طبيعي جداً، فمن ذا الذي يطلب عدالة من محتل؟ أغلقت القضية وبقي الجرح مفتوحاً، ليس جرح العائلة الأمريكية التي فقدت ابنتها في غمرة سعيها وراء عالم أكثر عدالة، بل الجرح الفلسطيني برمته ومنذ 1948 وحتى لحظتنا هذه.
لم أكن أريدُ أن أكتب عن غياب العدالة، في الواقع، إنني أكتبُ عن رايتشل كوري لسببٍ مختلفٍ تماماً. السبب الذي جعلني أرتجفُ في قلبي وأنا أسمع الكلمات النقية والبريئة لطفلة العشر سنوات وهي تعلنُ بأنها تريد تغيير العالم. تريد أن تصنع عالماً لا يجوع فيه الأطفال، عالم نعرفُ فيه كلنا بأن الآخر (الموغل في اختلافهِ عنا) هو مرآة للذات الكامنة فينا، بأن الآخر هو نحن. تريد أن تخبرنا بأن الإنسان هو الإنسان. بأنها.. الأمريكية من أصل يهودي، سوف تموت بعد 26 عاماً على أرضِ فلسطين، وهي تدافع عن مسلمين وعرب، لأنهم بشرٌ مثلها.
وهنا تساءلتُ، هل سيأتي علينا يومٌ نربي فيه أطفالنا على حُب الآخر واحترامه والدفاع على إنسانيته والذود عن حقوقه رغم كل اختلافه عنا؟ هل سيأتي يومٌ نعلم فيه أولادنا بأن الآخر بشرٌ وأن البشر سواسية أمام الله؟ هل سيأتي يومٌ نتخلّص فيه من أمراضنا الثقافية والطائفية والعنصرية وقدرتنا الخارقة على تصنيف البشر وقولبتهم واختزالهم إلى انتماءاتهم المذهبية أو أصولهم العرقية؟ هل سيأتي يومٌ نعلم فيه أطفالنا احترام الإنسان، سواء كان سنيا أو شيعيا، بدويا أو حضريا، مسلم أو مسيحي، أعجمي أو عربي، أسود أو أبيض، امرأة أو رجل؟ أم ترانا سنبقى منهمكين في تصنيف وقولبة وتعليب (خلق الله)، نصطنع جنة وناراً في أذهاننا، نعذب من نشاء ونرحم من نشاء؟ نتألّه من حيث لا نشعر وبدون وجه حق، ونمعن في القمع والإقصاء والانقسام، وننسى .. ننسى ما تحدثت عنه رايتشل كوري، ننسى أن ننظر إلى المستقبل، والنور الذي يلمعُ هناك؟