أقلامهم

وليد الرجيب: الفعل الثوري المستمر يعني أن الثورة المصرية وأيضاً التونسية لم تنجز أهدافها الاجتماعية الديموقراطية بعد.

أصبوحة / نهضة مصر نهضة للعرب 
وليد الرجيب

عندما أسمع من أحد مثقفينا كلمات يائسة ومحبطة عن مصير الثورات العربية، والتي قدمت فيها تضحيات وشهداء، أشعر بقليل من الاحباط من حال المثقفين وبعض السياسيين ورؤيتهم السوداوية لواقعنا العربي.
وقد يبدو المشهد في دول الثورات العربية رمادياً بل مظلماً أحياناً، وخاصة أن الإسلام السياسي الذي وثب إلى الحكم في كل من تونس ومصر، استعجل في محاولة الاستيلاء على مفاصل الدولة، وشعر بأن الفرصة متاحة لتحويل البلدان العربية إلى دول دينية، دون قراءة تحليلية لمزاج الجماهير ووعيها السياسي الذي تطور وارتفع منذ بدء قيامها بالثورات.
وقد أتيحت لي الفرصة للحديث مع بعض البسطاء من الشعب المصري، مثل سائق تاكسي وسيدة فلاحة تعمل في تنظيف المنازل والشقق، وسؤالهم عن الأوضاع بمصر في ظل حكم الاخوان وما هو رأيهم بثورة 25 يناير، وهل الثورة كما يدعي البعض أنها صناعة أميركية – اخوانية.
وفوجئت لحديثهم وأجوبتهم، فرأي هؤلاء البسطاء أن الناس انتخبوا مرسي ليس حباً وتأييداً لسياسة الاخوان أو لتاريخهم النضالي، ولكن بسبب معاناة الشعب المصري من الحكم المستبد الذي جثم على صدورهم قرابة النصف قرن، وحرمهم من الحرية والكرامة والديموقراطية الحقيقية، وقال لي أحد وجهاء الفلاحين المسؤولين عن انتاج وتصدير القطن المصري، كيف باع الرئيس مبارك هذه الثروة الزراعية والمنتج المصري المتميز إلى الشركات الأجنبية، وذكر لي الفرق بين جمال عبد الناصر الذي قال للفلاحين: «ارفع رأسك يا أخي الفلاح فأنت مصري»، وبين الأنظمة التي جاءت بعده وسحقت العمال والفلاحين، وأضعفت مصانع الغزل والنسيج وسرحت آلاف العمال، وعمال المحلة على حد قوله كانوا دائماً الحاسمين في الانتفاضات والثورات المصرية.
كنت أذهب كل يوم إلى «وسط البلد» وأمر في طريقي بميدان التحرير، وكنت أجد وبشكل يومي تجمعات احتجاجية وتواجداً كثيفاً للأمن المركزي، بل خرجت مظاهرة يوم الأربعاء الماضي قامت بها النقابات المستقلة للعمال، وستخرج اليوم السبت مظاهرة للتحالف الديموقراطي الثوري وأحزاب أخرى من ميدان طلعت حرب، كما استوقفنا قبل أيام أحد الطلاب في جامعة النيل والتي كانت نتاج مدينة زويل للتكنولوجيا وأعطانا منشوراً ثورياً يدين فيه تراجع حكومة شفيق عن الأرض التي قدمت لبناء الجامعة والتي أنجز بناؤها عام 2010 2011.
هذا الفعل الثوري المستمر يعني أن الثورة المصرية وأيضاً التونسية لم تنجز أهدافها الاجتماعية الديموقراطية بعد، وأن الشعوب العربية لم ولن تستكين أو تنخدع بالمؤامرات الأميركية – الاخوانية والتي يسميها المصريون بظرافتهم المعهودة «مبارك نمرة 2»، أي أن الوجوه تغيرت ولكن لم يتغير النظام التابع للرأسمال الأجنبي والنيوليبرالية، والذي استعبد الشعب المصري وسرق ثرواته الوطنية من خلال الخصخصة والانحياز إلى الشركات.
للحق ارتفعت معنوياتي رغم ثقتي الدائمة بالشعب المصري والشعوب العربية، ولن أنسى أنني عندما قلت أمام بعض المثقفين والعمال: «من المعروف أنه إذا نهضت مصر فسينهض العرب جميعاً، وإذا تراجعت مصر فستجر معها جميع العرب إلى الحضيض»، فرد علي أحد عمال المحلة قائلاً: «يا أستاذ إحنا لسه ما عملناش حاجة، ولسه بنقول يا ساتر» على طريقة المصريين عند الدخول إلى البيوت، هذه هي الروح التي تبث في الأمل بشعوبنا، ويجب أن يعرفها مثقفونا اليائسون.
فتحية للقوى المصرية الثورية التي ترفع راية الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والتي بانتصارها المنتظر سننتصر جميعاً.