الاعلامي و السياسي و الحذاء
خلود عبدالله الخميس
بين الاعلامي والسياسي علاقة ارتباط غريبة جدا، زواج «كاثوليكي» لا يسمح فيه بالطلاق ابدا، وزواج شرعي ولكنه يمارس فيه الطلاق بتعسف وبين كل ثلاث طلقات يزج بـ «محلل» لتصبح العودة بعده شرعية السياسي والاعلامي قدر بعضهما بعضا، اما الحذاء فتعرفون قصته لاحقا.
بين الاعلامي والسياسي رباط غليظ لا يفك، وهما يقتاتان من وجود بعضهما، وتلك علاقة حتمية وطبيعية لذلك فان مكانة الاعلامي تجعل منه هدفا تنافسيا لبقية بطانة السياسي، مما يجعله عرضة للدسائس والوشايات كاعلامية، تحصنت مسبقا بعلوم اكاديمية في السياسة والاقتصاد، وذلك لزاما علي التحصن بما يلزم للاستمرار في غابة العمل لتكون زادي ان حان النزال الاكبر.
لكني اكتشفت ان النزال الاكبر اكذوبة يدحضها نزال اعظم يليه وهكذا حتى فناء المتصارعين في طواحين «البقاء للاشرس».
كنت اعلم نظريا ان هذا اللامع البراق المستل القوام ويتحدث امام الـ«مايكروفون»، المبتسم عند الحاجة ذا الوجه المتعادل المشاعر، ليس الا منفذا، بينما الآمر والناهي هو ذاك المختبئ في ظل آخر سطر من الحضور، الذي يحمل بيديه نسخة نظيفة من الخطاب «أي بلا اي تعديل وبشكلها النهائي» وقلم متعدد الالوان، وتتدلى من كتفه حقيبة فيها جهاز تسجيل يعمل غالبا، وجهازي نقال احدهما يقوم بدور الكمبيوتر، ويحفظ الخطاب ويعرف السطر الذي يقرأ. ولكن الممارسة الواقعية على النقيض خصوصا في بيئاتنا العربية والخليجية، وفي الاخيرة يختلط على السياسي «بشت» المنصب و«المعزب» فلا يدري هو ايهما اذا لبسه!.
وبسبب هذا الفصام في الشخصية «ذات المنشأ البيئي» انطفأ بريق موقع «اعلامي السياسي» وصار الشاغر طاردا لا جاذبا، ذلك لان الاصل ان يكون السياسي هو الواجهة لجيش من المؤمنين، ومن رحم هذا الجيش يكون الاعلامي. هؤلاء الذين آمنوا بقيم ومبادئ اكبر من الاشخاص، وعلموا ان تأثيرها اعم وأشمل من الافراد، ثم اقتنعوا بالسياسي كشخص له قدرات ومواصفات مجتمعة تؤهله لحمل امانة تمثيلهم، فهو قد آمن قبلا برؤيتهم ويتمنى شرف المشاركة في تحقيقها، فعاهدوه ورفعوه ليصل على اكتافهم، وان تعب كتف تناوبت كثر، ولايزال منتصرا بهم حتى يرتدي «البشت»! .
وحينها، يعتبر تلك الاجساد المنهكة التي تقاتل ليبقى فوقها اكياس اسمنت، يستخدمها ليشد بناءه، ويركلها بعد ان يكتمل مجده، ويظن انه لن يدفع ثمن الاكتاف المخلوعة والاكف المتعرقة والاقدام المتفطرة!.
لقد تعلمت وتدربت في ترسانة السياسة والاعلام وادارة البشر وكان لي شرف دعم بعض الساسة و«قرف» التعامل مع البعض الآخر، ومن عنق التجربة اقول، ان اعلامي السياسي لدينا لا يقوم بدوره المفروض لاسباب عدة، اولا: ان اغلبهم لا يعرف هذا الدور، ثانيا: ان الاعلامي المحترف تنازل عن زمام واجبه تجاه السياسي وجامله ليشتري خاطره وخان شرف مهنته وهو يحتج بأن السياسي هو صاحب القرار، ثالثا: ان البطانة المهترئة العاملة على تلميع السياسي اخذت المصطلح من الاسكافي فأسقطته على انسان! في بيئة الهواة هذه، نشبت المعركة داخل اسوار «الحرم التنفيذي» لمشروع السياسي، وأنهكت الجميع قبل الخروج لمعارك متفرقة الجبهات مع اعداء يحتاج النصر عليهم لشحذ كل الطاقات التي استنفرت في المكائد الداخلية!.
ويخسر الجميع، وان فازوا فانه فوق انقاض ولن يصمد!.
هكذا يحدث عندما يدير «بشت» عقل البشر، يصير السياسي هو البدلة والبطانة والحذاء!.

أضف تعليق