حُكم المحكمة.. والحمل الكاذب!
عبدالله النيباري
حُكم المحكمة الدستورية في رفض الطعن المقدَّم من الحكومة، والذي أحدث شعوراً عاماً بالانفراج، وبعث جواً من التفاؤل لوضع نهاية لأجواء التأزم التي أرهقت البلد وأهله، هل حقاً حقق ذلك؟ أم انه كالحمل الكاذب، وليس المقصود هنا الحُكم ولا المحكمة، ولكن تداعياته لدى الأطراف الأخرى، السلطة والحكومة والجماعات البرلمانية والسياسية.
هذا الحُكم التاريخي الذي سطر وثبت قواعد أساسية، أهمها الانتصار لحكم القانون، خلافاً لما اعتقد البعض، وعبَّر عنه بتصريحات أو إشارات إلى أنه جاء نتيجة ضغوط التجمُّعات الشعبية، فذلك حتى لو كان بحُسن نية، فهو طعن في حيادية المحكمة ونزاهة القضاء واستقلاله.
الأمنية والرغبة
السلطة ذهبت للمحكمة الدستورية، بدافع الأمنية والرغبة المتعجِّلتين بالحصول على حُكم يفسح لها المجال لإصدار مرسوم بتعديل قانون الانتخابات مفصَّل وفق تصوُّرها، يخدم مصلحتها في مجيء مجلس بأغلبية موالية للسلطة وتقليص حجم المعارضة، أي معارضة، وإلغائها إن أمكن.
مشروع السلطة سبق أن أعلن عنه عبر الصحافة المحلية، فقد نشرت جريدة الأنباء في 2012/7/22 وثيقة قالت إنها حصلت عليها من مصادر رسمية، وكررت جريدة الكويتية نشر الوثيقة نفسها بتاريخ 2012/9/14 نص المشروع، وما نشرته الجريدتان، رغم فارق الشهرين، فإنه متطابق حرفيا. كما نشرت الجرائد الكويتية جوهر المشروع، وإن لم يكن يتطابق حرفيا.
الدوائر الانتخابية
مشروع الحكومة تغيير موازين الدوائر الانتخابية، بتعديل أعداد الناخبين، بذريعة تحقيق العدالة بينها، لكنه يعطي أثقالا عددية لتعزيز فئات معينة في المجتمع، واستخدام تعابير ومسميات، وإعطاء وزن وفرص للعوائل في شرق والجهراء، وتعزيز نصيب أبناء الطائفة الشيعية في الدائرتين الثانية والثالثة.. وهكذا.
لم يتورع المشروع عن استخدام هذه التعابير والمسميات التي تصب في تكريس الانقسام وتمزيق المجتمع وإعاقة الاندماج الاجتماعي وتعطيل التطوُّر السياسي، وبالتالي تعثر التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يوصف بأنه «لبننة» الكويت. وبالإضافة إلى تعديل أعداد الناخبين في الدوائر، هناك الميل إلى جعل الانتخاب بصوت واحد أو اثنين بدلا من أربعة، وهو ما يسهِّل عملية شراء الأصوات، ويؤدي إلى طرح الانتخابات في بورصة للمزايدة، كما يحصل في حالة الاكتتاب على أسهم الشركات، من يدفع أكثر يكسب بالأسهم! وإذا كانت المسألة شراء أصوات وذمم، سواء كان نقدا أو خدمات أو منافع، فالسلطة والحكومة هما الأقدر. وطبعا شراء الأصوات ينتج نوابا يسهل شراؤهم، كما حصل في حالة النواب القبيضة.
تعديل القانون بمرسوم
الأحاديث المتداولة في الآونة الأخيرة تقول إن هذا المشروع لم يمت بالضربة القاضية التي جاءته من الحُكم برفض الطعن، فهناك معلومات متواترة تفيد بأن المشروع ما زال حياً، إذ تم طرح هذا الأمر في لقاء بعض النواب بسمو الأمير، وتم الحديث عن استمرار مجلس 2009، وأن يجرى بواسطته تعديل قانون الانتخابات، وقد صرَّح بعضهم بأنهم وجدوا تفهماً. وهناك كلام عن تحرُّك لتقديم عرائض، خصوصاً من أبناء الجهراء، تطالب بتعديل القانون بمرسوم، كما يقال إن هناك أوساطا من القيادات في مجلس الأمة تدفع باقتراح الضربة الواحدة، التي تنتج ثلاث إصابات أو أهداف، والمقصود بذلك هو حل مجلس 2009 وتعديل قانون الانتخابات بمرسوم بتعديل الدوائر أو تقليص التصويت لصوت واحد أو اثنين، مثل الاقتراح الذي سبق أن قدَّمه علي الراشد، وفي الوقت نفسه الإعلان عن فتح باب الترشيح للانتخابات، بعد الإعلان عن موعدها.
وهناك من يقول إن مثل هذا المشروع بعد صدور حُكم المحكمة الدستورية يصعب الإقدام عليه، أو لن يجرؤ أحد على التقدم به أو تطبيقه. قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن المسألة تصبح ترجيح احتمالات. فهل احتمال إقدام السلطة على هذا المخطط هو بنسبة 20 في المائة أو 60 في المائة أو أكثر أو أقل؟
فكرة الضربة الواحدة بثلاثة أهداف في رؤية اللوبي التي يتبناها من شأنها أن تربك الوضع الشعبي، وتجعل قيام تجمعات شبابية معارضة لهم أمرا أكثر صعوبة، بسبب ما يحدثه من ارتباك. ففتح باب الترشيح سيطلق التسابق بين الأفراد الطامحين للترشيح وتحريك ماكينة الانتخابات الفرعية.. وهكذا تضيع «الصقلة».
انتخابات 1981
هذا المشروع هو إعادة إنتاج مشروع انتخابات 1981 بتعديل قانون الانتخابات من 10 إلى 25 دائرة، وأدَّى في تلك الانتخابات إلى إسقاط مرشحي المعارضة، وبالذات جماعة الخطيب والقطامي، عن طريق التلاعب في نقل الأصوات والتسجيل بجداول الانتخابات وشراء الأصوات. لذلك، فبعض الإخوة الذين كتبوا مؤيدين للانتخاب بالصوت الواحد عليهم استعادة تجربتنا في الثلاثين سنة الماضية، وعلى الأخص آثار الواسطات والخدمات والعلاج السياحي في الخارج والشراء النقدي، كما حدث في العديلية، التي تعد أرقى المناطق تحضراً، وكما حصل في الصليبخات.
إعادة إنتاج انتخابات 1981 ستتم بمعطيات جديدة، فتلك الانتخابات تبعها تقديم مقترحات بتعديل الدستور، ولكن المعارضة الوطنية أسقطت تعديل المشروع بالضغط الشعبي من خارج المجلس.
الاغلبية المعارضة
حالنا ووضعنا اليوم مختلفان.. ورغم ما يتهيأ للأغلبية المعارضة من أن لديها التأييد الشعبي، فإن الأمر يتطلب قراءة دقيقة، لأن الوضع مختلف، فالمعطيات تغيَّرت والأخلاق تغيَّرت، والقدرات المالية وغيرها تغيَّرت.
إذاً، لا ندري ما إذا كان حُكم المحكمة الدستورية التاريخي الرائع قد أعادنا، سلطة وحكومة وشعبا، إلى الانصياع لحُكم القانون والتمسك بالدستور، أم أن التفاؤل الذي أحدثه ذلك الحُكم سيتحوَّل إلى حمل كاذب؟!

أضف تعليق