مكاسب وخسائر..!
كتب أحمد الديين
مرسوم حلّ مجلس 2009 المرفوض شعبيا كان يفترض أن يصدر قبل أكثر من ثلاثة أشهر، إذ كان المطلوب حينها فقط هو تصحيح الخطأ الإجرائي الذي جرى تلغيمه عن عمد في مرسوم الحلّ الصادر في ديسمبر 2011، ولكن السلطة حرصت على تأخير تنفيذ مثل التصحيح الإجرائي وذلك في محاولة يائسة لإعادة بعث الحياة في المجلس المقبور الذي كانت تمتلك خيوطه وتمسك بمفاتيحه… وعندما فشلت تلك المحاولة اختلقت السلطة حالة غير مسبوقة من الفراغ الدستوري امتدت طوال الأشهر الثلاثة الماضية تمكّنت خلالها من الانفراد الكامل بالقرار بعيدا عن الرقابة البرلمانية تحت ذريعة تحصين مرسوم الحلّ الجديد وتأخير إصداره إلى حين صدور حكم المحكمة الدستورية في الطعن الحكومي المتهافت بعدم دستورية قانون إعادة تحديد الدوائر الانتخابية… وعندما صدر الحكم برفض ذلك الطعن، عمدت السلطة إلى محاولة أخرى لكسب الوقت بتأخير إصدار مرسوم الحلّ المصحح، وبدأت تناور لعلّها تتمكّن من إصدار مرسوم بقانون لا يتوافر له شرط الضرورة الملزم دستوريا لتغيير النظام الانتخابي بتخفيض عدد الأصوات التي يستطيع الناخب الإدلاء بها من أربعة أصوات إلى صوت واحد أو صوتين… ويبدو أنّ السلطة قد اكتشفت أنّ هذه المناورة أَفقَدَتها تأييد بعض الأطراف التي سبق أن ساندتها في الطعن بعدم دستورية القانون، فسارعت إلى إعداد مرسوم الحلّ الذي تأخر كثيرا عن موعده، وبالتأكيد فإنّ السلطة ستضطر عاجلا أو آجلا إلى التخلي عن محاولتها العبث بنظام التصويت، التي ستؤدي في حال الإقدام عليها إلى تشكيل أوسع اصطفاف سياسي وشعبي معارض لها.
لقد تفاقمت خلال الأشهر الثلاثة الماضية الأزمة السياسية التي كانت قد هدأت نسبيا وخفّ احتقانها لبعض الوقت، وبذلك فقد استطاعت عناصر كتلة نواب الغالبية في مجلس 2012 أن تستعيد تماسكها بعدما كانت عرضة للتفكك جراء تباين مواقف أعضائها؛ ومعه استعادت جزءا ليس قليلا من شعبيتها التي تراجعت خلال فترة انعقاد المجلس بسبب تخبّط مواقف بعض أطرافها وضعف أدائها… ولكن الأهم من ذلك كله هو إعادة الاعتبار مرة أخرى إلى الحراك الشعبي بعدما كان قد توقف منذ نوفمبر 2011، بحيث غدا واضحا أنّ حركة الجماهير هي السدّ المنيع الذي يمكن الركون إليه لقطع الطريق أمام محاولات التآمر على الديمقراطية؛ وهي الضمان الحقيقي لتغيير موازين القوى ولإحداث الإصلاح وفرض التغيير… وفي هذا السياق، وتحت وقع الأزمة التي اختلقتها السلطة، تأتي أهمية التوافق الذي تحقق خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بين العديد من الأطراف السياسية والكتل النيابية والمجاميع الشبابية والشخصيات العامة على أولوية تحقيق الإصلاح السياسي الذي يجب أن يسبق ما عداه من دعوات للإصلاح في المجالات الأخرى، وهذا ما جرى التعبير عنه على نحو جلي في “إعلان المبادئ” الصادر عن “الجبهة الوطنية لحماية الدستور وتحقيق الإصلاحات السياسية” التي أتشرّف بتولي منصب منسقها العام، إذ جرى التوافق بوضوح على ضرورة تحقيق الانتقال بنظامنا الدستوري من وضعه الراهن إلى النظام البرلماني الكامل بكل ما يعنيه من دلالات وما يتطلّبه من شروط، يأتي في مقدمتها سنّ قانون ديمقراطي لإشهار الهيئات السياسية؛ واستحداث نظام انتخابي جديد يقوم على التمثيل النسبي والقوائم الانتخابية… وهذا ما يفترض أن يكون العنوان الرئيسي للمرحلة المقبلة، وليس فقط أن يكون عنوانا للمعركة الانتخابية.

أضف تعليق