حديث الأيام / «الداخلية» تعمل بأجندات خارجية!
د. فهيد البصيري
عندما كنت أعمل قائدا أمنيا في احدى مديريات الأمن، كنت أقول للمدير العام (الله يذكره بالخير) كل شيء مقدور عليه إلا الأوامر الغبية، وكان متفهما جدا للدور الذي يقوم به، ويوافقني الرأي، ومع ذلك كانت تصدر في أحيان كثيرة أوامر غبية، لأن المشكلة فوق – فوق – فوقه ( وعليكم الحساب)، ومصيبة الأوامر الغبية أنه إما لا يمكن تحقيقها، أو تكون متعارضة مع العقل والمنطق القانوني، وقد تسبب كوارث لا يعلم حجمها إلا الله، ومع ذلك يجب تنفيذها، فنسلم أمرنا لله وننفذها بطريقتنا الخاصة، وطريقتنا الخاصة هي تنفيذها بعد تحويرها وتصحيحها، أو عدم تنفيذها وتركها للزمن وعندها إما أن يتغير المسؤول أو تعود عليه عافيته ويستعيد رشده.
ومع مرور الأيام أصبحت ظاهرة الأوامر الغبية هي القاعدة، والأوامر المنطقية هي الشاذة! وعممت هذه القاعدة على جميع مؤسسات الدولة وهيئاتها، والحقيقة أننا أبرياء وعلى باب الله، وأن الآخرين أو المسؤولين في الدولة هم الجحيم، وهذه الأوامر تصدر عن عمد ولأهداف خاصة بحتة حتى ولو كانت مخالفة لسياسة ودور الوزارة! وتجاربي مع هذه الأوامر كثيرة ولكني سأكتفي بهذه القصة.
ففي أحد أيام عام 2003 وبمناسبة الحرب على العراق، قامت وزارة الداخلية بالتخطيط الاستراتيجي للحرب! وأصدرت أحد الأوامر التاريخية الغبية، وجمعت عشرات الضباط من الرتب الكبيرة والصغيرة، ولسوء حظي كنت من ضمن المجموعين، ووضعت الوزارة على رأسنا ضابطا كبيرا! واجتمعنا في المسرح الكبير في الوزارة العتيدة، وبدأ هذا الضابط الله يذكره بالخير ونقول له منها للأعلى، والله يخليك للكويت ولأهل الكويت – فهو ما زال يخطط لنا في الوزارة -! ما علينا… بدأ صاحبنا بالحديث عن طبيعة المهمة الجهنمية التي كلفنا بها! وقال وعمر السامعين طال: عليكم بمداهمة البيوت في منطقة الجليب والعباسية، والقبض على العمالة هناك! فسألته سؤالا واحدا لا غير، لأنني غسلت يدي منه بعد الإجابة. قلت له : ومن هو الشخص المطلوب بالضبط وما هو نوع المجرم الذي نبحث عنه؟ وهل لدينا إذن بالتفتيش على منطقة كاملة؟ ورد بانزعاج كبير أي شخص تجدونه مخالفا مثلا.. يمشي برا!…أو مع (وحدة) في السرير! وراح بتكلم بكلام لم أفهم منه إلا أنه غير فاهم. انتهى اللقاء ورحنا ننفذ المهمة، وراح الزملاء يجمعون كل من هب ودب، والمهم ملء الباصات، ومن محاسن القدر أنني كنت قائدا لإحدى المجموعات، والحقيقة أنني استحيت أن أنقل كلام المسؤول الكبير لهم حرفيا، وقلت لهم: عليكم بمن هو مخالف لقانون الإقامة فقط، ولا تقتحموا البيوت لوجود أطفال ونساء فليس لدينا أي معلومات أو تحريات وليس لدينا إذن من النيابة، المهم أن الليلة عدت على خير بالنسبة لمجموعتي ولكني فوجئت ( بالباصات) وقد امتلأت عن آخرها بالعمالة المسكينة، رغم أنهم غير مطلوبين وأوراقهم سليمة مئة في المئة، وتبين أن القصة وما فيها هو إعلام وفلاش هنا وصورة هناك. والقصة طويلة ومضحكة، ولا مجال لسردها بالتفاصيل، ولكنها تعكس بعض العقليات التي تقود المجتمع ولذلك لا تستغربوا أي تصرفات من وزارة الداخلية، فهذا المسؤول ومن هم على شاكلته ما زالوا يعملون ولا يخرجهم من الوزارة إلا الأجل، ومثل هؤلاء الضباط أصبحوا من ضروريات عمل الوزارة لتنفيذ ما يصعب على العقل فهمه والقانون تنفيذه، فهم يدارون عن بعد ( بالريموت كنترول) ومن خارج الوزارة، وقصة ضرب النواب والتعامل العنيف مع قضية البدون العادلة، والمداهمات العشوائية للعمالة، والتغاضي عن جرم بعض الأشخاص بل وتسخير الشرطة لحمايتهم، كلها لا تتواءم مع فلسفة ودور وزارة الداخلية إطلاقا، بل إن الدور السياسي الذي تقوم به وزارة الداخلية اليوم أصبح يشكل خطرا على الأمن نفسه!! وحفظ الله الكويت وشعبها من شر نفسها.

أضف تعليق