حقبة التناحرات المذهبية
كتب محمد واني
بداية يجب ان نوضح امرا مهما وهو اننا لسنا طائفيين ولا ندعو لهذه الفكرة المدمرة التي تحاول قوى عالمية كبرى جاهدة الترويج لها وتكريسها في منطقة الشرق الاوسط واشغال شعوبها وادخالها في اتون صراع مذهبي مرير لايبقي ولا يذر لحقب اخرى طويلة بعد ان شغلتها بالافكار القومية الثورية لعقود وخسرت من جرائها الكثير الى ان ثارت شعوب المنطقة على حكامها الانقلابيين وبدأوا بتدشين مرحلة جديدة سميت بـ”الربيع العربي”، وقد مهدت هذه القوى في الاعداد والتحضير لمرحلة الصراع الطائفي في المنطقة بعد الانتشار السريع الواسع للصحوة الاسلامية السنية في اواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي والتي مثلت تهديدا حقيقيا لمصالحها الحيوية ، فكان لابد لها من ايجاد فكرة مضادة فاعلة من نفس جنسها داخل المجتمعات الاسلامية ، وجاء نجاح الثورة الايرانية بزعامة اية الله الخميني عام 1979 وتبنيها لفكرة تصدير الثورة ونشر التشيع في العالم وفي المجتمعات السنية على وجه الخصوص ، فرصة ذهبية لهذه الدول المتنفذة لكي تثير فكرة التشيع “السياسي”وتروج لها وتجعلها بموازات مع التيارات السنية الناهضة وتمهد لها للظهور كمنافس قوي في الساحة السياسية السنية ..
وعندما نتطرق الى هذا الصراع السياسي بين قوتين اسلاميتين عظيمتين ونشير الى الاهداف الاستراتيجية لكل واحدة منها فان ذلك لايعني اننا نعزف على وتر الطائفية بل هي مجرد قراءة واقعية لظاهرة بدأت تكبر وتترسخ في المجتمعات الاسلامية وتنبيئ بمستقبل مظلم وعواقب وخيمة ..
واخوف ما نخاف عليه هو ان تنعكس الحالة السياسية المتصارعة القائمة بين”التشيع”و”التسنن”بمعناهما السياسي على البنية الدينية الاجتماعية لكلا المذهبين وتتحول الحرب الباردة الموجودة بينهما الان الى حرب حقيقية تأتي على قواعد المجتمعات الاسلامية الهشة من اساسها ، كما حدث بين الطائفتين “الكاثوليك”و”البروتستانت”في اوروبا بين عامي 1618 ــ 1648 والتي سميت بحرب “الثلاثين”وراح ضحيتها اكثر من (20)مليون انسان .. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة ؛ هل في نية الدول الكبرى نقل هذه الصورة المأساوية الى مجتمعاتنا ، والهاءنا لفترة اخرى بقتل بعضنا البعض بدواعي واهداف طائفية كما قتلنا بعضنا البعض بدواع ونوازع اثنية شوفينية في فترة من الفترات ؟ ولم لا ! فكل المؤشرات تدل على ذلك ؛ من تولي الاحزاب الشيعية السلطة في العراق والاشتباك الطائفي الدموي الكبير الذي نشب بين السنة والشيعة في عامي 2006 ــ 2007 والذي ذهب ضحيته الاف الابرياء من الطرفين والحرب المستعرة بين النظام العلوي النصيري البعثي السوري وبين المعارضة السورية السنية المقاومة ، وكذلك التوتر الاقليمي القائم بين الجبهتين التقليديتين ؛ الجبهة التركية”العثمانية الجديدة”والجبهة الايرانية”الصفوية” واهم من ذلك واخطر ، اننا كطرفي النزاع”الشيعة والسنة”لدينا استعداد تام وقابلية كاملة لخوض هكذا صراع مدمر وتنفيذ ما يفرض علينا من مخططات ، لاننا لا نجيد غير ان نسمع ونطيع ، ففي ظل حالتنا الحالية التي لاتسر الصديق ولا الحبيب ، ولا تبشر بالخير ابدا ، لا نستطيع ان نكون الا في وضع التلقي والتنفيذ للاوامر التي تأتينا من دول العالم المتطور ، منذ ان سلبنا ارادتنا بانفسنا ورضينا ان نعيش على هامش الحياة ، وتحاشينا خوض معتركها خوفا من الفشل ، ففقدنا القدرة على ان نكون احرارا ، نرفض او نقبل ما نشاء ..
وقد استغل الملالي في طهران هذا الاحباط الموجود في المجتمعات الاسلامية ، وبخاصة المجتمعات التي يتواجد فيها الشيعة وبدأوا بوضع خطة محكمة للتحرك باتجاهها من خلال مفاهيم “تصدير الثورة”الغامضة التي تمزج الفعل الثوري بالتبشير الشيعي و”ولاية الفقيه”(العابرة للقارات بحسب مفهوم زعيم حزب الله السيد حسن نصرالله)وهو المنصب الذي يجمع بين القيادة الدينية والسياسية(يقابله مصطلح الخليفة في المجتمع السني)واستطاعوا في فترة قصيرة لم تستغرق الثلاثة عقود من الزمن ان يوسعوا علاقات حميمية مع المجتمعات الشيعية في العالم كله وليس في العالم الاسلامي فحسب وعلى نفس الاسس و المفاهيم القديمة القائمة على ؛ الولاء والطاعة ، ولكن بدلا من ان يكون هذا الولاء والطاعة لجهة الغرب حولوه لجهة الشرق وعلى وجه الخصوص لولي الفقيه ، الاختراع الاشد ذكاء من قبل الماكينة الشيعية السياسية في طهران ، ونجحوا بشكل كبير في تطويع الشرائح الشيعية المؤثرة في المجتمعات الاسلامية لدرجة ان دفع بزعيم حزب الله اللبناني”حسن نصرالله”ان يصرح بانه يضحي بمصلحة وطنه لبنان ويضربها “ميت صرمة قديمة”على حد قول اخواننا المصريين اذا صدر عن ولاية الفقيه امر بذلك ، لانه يعتبر نفسه جنديا مطيعا في حضرة الولي الفقيه ! وكذلك الامر بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي”نوري المالكي”بطل”الاتحاد العراقي الايراني”ودمج الدولتين في دولة واحدة”كونفدرالية”بقيادة الولي الفقيه طبعا !! ..

أضف تعليق