أقلامهم

إيمان شمس الدين: المنع بذريعة الأمن والاستقرار السياسي هو منع سياسي يكرِّس عقلية الاستبداد.

بقعة ضوء
معرض الكتاب والعقول المغلولة
إيمان شمس الدين

الممنوع ثقافة لها لغتها الخاصة، إلا أنها كأي مصطلح يمكن استغلاله كأداة في التسلّط والاستبداد.
فليس كل شيء في هذه الحياة متاحا، كوننا نعيش كأفراد جزءاً من منظومة اجتماعية لها كيانها، وتلزمها ضوابط كي تحقق أمنها واستقرارها.
ولكن هل يعني ذلك أن يكون المنع ضابطا مطلق اليد بذريعة الأمن والاستقرار؟
إن الأصل في الموضوع الإنسان، وكيفية تفجير طاقاته وإبداعاته، وتنميته ليكون فردا فاعلا، يبني مجتمعا فاعلا وتنمويا، في ظل دولة الدستور والمؤسسات، بما لا يعيقه، بل بما يضبطه.
وهناك فرق بين الإعاقة والضبط.
فالأصل في الإنسان عقله وتحرير العقل يتطلب تحرير الإنسان من الداخل، ورفع كل الموانع التي تعيق نموه العقلي وتراكمه المعرفي، ورفع الموانع التي تؤدي إلى تسافله الأخلاقي والقيمي، لأن أصل التطور العقلي لا يتم إلا بسمو القيم والأخلاق، التي تؤثر في سمو الأهداف.
فتحريم الخمر، على سبيل المثال، هو منع، لكنه منع إيجابي، لأن الخمر تُذهِب العقل، وإذا ذهب العقل تحوّل الإنسان إلى غرائزي يرتكب كل الموبقات الأخلاقية والسلوكية بطريقة تهدد فعليا استقرار المجتمع النفسي والاجتماعي وأمنه.
بينما منع حرية التفكير والرأي، وحرية التعليم والتعلّم، هو منع سلبي، لأنه يحجب عقل الإنسان عن التفاعل مع الآخر، والتحاور مع أفكاره وآرائه، والاطلاع على ثقافات وحضارات ورؤى وتطلعات إنسانية خارجة عن داخلنا، وبالتالي رؤية حقائق أخرى قد تكون سببا في تغير سلوك، وتطور نهضوي إيجابي ينعكس، ليس فقط على الفرد، بل على المجتمع برمته.
هنا المنع بذريعة الأمن والاستقرار السياسي هو منع سياسي يكرِّس عقلية الاستبداد، ويهبط بسقف الحريات، ليضيق من الأفق العقلي المعرفي، ويهبط بأولويات الإنسان من أولويات نهضة أمة إلى أولويات هم فرد يومي تقتصر حاجاته على همومه الفردية الضيفة، فيتحول همه من هم الأمة إلى هم الذات، وحيث إن نهضة الأمة تقاس بعلمها ومخرجاتها التعليمية وبنسبة القراءة ونوعيتها، فإننا كشعب كويتي نكون في الصفوف الأخيرة في أي مشروع نهضوي. فكل عام تزداد نسبة المنع في معرض الكتاب، بل هذا العام كان المضحك جدا أن يمنع كتاب تم تكريمه وتكريم صاحبه رسمياً لفوزه بجائزة الدولة كأفضل كتاب في العلوم السياسية، وهو كتاب الحداثة المغلولة لمؤلفه الأستاذ أحمد شهاب، وهو مؤشر خطير على تصاعد فكرة المنع في ذهنية اغلبية القائمين في لجنة الرقابة لتصل حتى للكتب المرخصة والحائزة جائزة الدولة.
ألا تعتبر هذه إهانة وتثبيطا للطاقات العلمية المتصاعدة، وعدم تشجيع الآخرين على التأليف والإبداع خارج المألوف المحلي والعربي؟
ومنا إلى المسؤولين في المجلس الوطني للثقافة والفنون، الذين هم بذاتهم استضافوا المؤلف في إحدى ندواتهم بعد تكريمه، ليستعرض أهم ما تناوله من قضايا في كتابه أمام ضيوف من الوطن العربي.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.