بقعة ضوء
القانون والضبط الاجتماعي
إيمان شمس الدين
في الديموقراطيات الدستورية التي تتميز عن غيرها من الديموقراطيات بحفظ حقوق الأقليات والمعارضين، لا تعني الحرية التي يتبناها الدستور إطلاقا التعدي على حرية المجتمع بأفراده وبخرق أمنه واستقراره، بل يأتي هنا دور الدولة كطرف يتدخل في حالات الخرق الأمني ومس حريات الآخرين والتعدي على حقهم في الأمن والاستقرار لضبط حالة الفوضى وفق آليات أهمها تطبيق القانون، ولكن من دون التعدي على كرامة المعارضين أو مسهم بالأذى الجسدي.
ولا يوجد حتى في الدول الغربية الحديثة حريات فردية مطلقة العنان تسمح بالفوضى، بل الليبرالية الغربية تقوم على أساس حرية الفرد المضبوطة وفق قانون لا تسمح له بالتعدي على الأمن الاجتماعي والمجتمعي.
إلا أننا رغم تبنينا الطويل زمنيا للديموقراطية كنظام حكم إلا أن تعثر المسيرة الديموقراطية يعود لأسباب أهمها:
غياب إرادة حقيقية في تطبيق القانون على الجميع من دون فرق وفق مبدأ يفترض أنه عصب من أعصاب الديموقراطية وهو المساواة، وبقاء الدستور بمواده غالبا حبرا على ورق لا يتم اللجوء إليه إلا لتمكين نفوذ السلطة أو لإيجاد نافذة منه يخرجها من مأزق سياسي يكون الدستور فيه الحل الوحيد. تقوقع الحياة السياسية في صراع السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية، في ظل غياب قانون يشرع الأحزاب وغياب شبه كلي لمؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في العمل السياسي، وعدم وجود ثقافة ديموقراطية لدى غالبية أفراد المجتمع أو إن وجدت فيتم إما فهمها بطريقة خاطئة أو استغلالها بطريقة منفعية يتسلق فيها بعض المعارضين أو أصحاب النفوذ على الدستور ليحققوا غايات ومنافع ومصالح خاصة باسم الديموقراطية وبشعار مرجعية الشعب في الحكم كشريك واقعي فيه.
نفوذ السلطة التنفيذية في العملية الانتخابية إما عن طريق تقسيمات الدوائر التي تسهل لها إيصال من يواليها من النواب أو عن طريق المال السياسي، والذي لا ننكر أنه وفق تقرير جمعية الشفافية بدأ يسجل تراجعا واضحا مع الأيام.
تخلي الحكومة عن دورها في تطبيق القوانين الخاصة بحماية مكونات المجتمع المختلفة كتطبيق قانون تجريم خطاب الكراهية وحماية وحدة نسيج المجتمع من شق صفوفه من خلال تطبيق قانون الوحدة الوطنية وضبط الوارد لفضاء الاعلام المرئي والمسموع والمقروء.
إن الحرية والمساواة اللتين تقوم على أساسهما الدولة المدنية الحديثة لا تعنيان أبدا التعدي على أمن الوطن واستقراره أو تخوين مكون مهم من مكونات المجتمع والنظر إليه كفئة طارئة على المجتمع رغم تاريخية حضوره الفاعل في كل الساحات والميادين في الداخل الكويتي القديم والحديث، كما يحدث اليوم من قبل شخصيات إعلامية وسياسية واجتماعية، واتهام فئات أخرى بالانتماء إلى الخارج بطريقة سمجة سئمناها ومللناها كقصص خيالية ليس لها في الواقع أي تحقق، والذين وفق الدستور يجب أن ينظر إليهم ولغيرهم كمكون من مكونات المجتمع على أساس أنهم مواطنون يعيشون مع باقي أبناء الوطن تحت مظلة المواطنة.
إننا أمام مفصل تاريخي من حياة الكويت كدولة ديموقراطية، فإما أن نكون فيه أو لا نكون، ولكل خيار منهما حراك يتناسب معه وآليات تتناسب لتحقيقه.

أضف تعليق