أقلامهم

ذعار الرشيدي: مشكلة انتشار الفساد في البلد انها جعلت كل مشروع اقتصادي لابد ان يقع تحت طائلة الشك الشعبي.

«قنبلة نووية للبيع» ومذبحة التجار الشرفاء
ذعار الرشيدي 
لا أتصور أنني يوما ما سأقرأ الإعلان التالي في الكويت: «قنبلة نووية للبيع»، أو إعلان «صاروخ كيماوي متوسط المدى بحالة جيدة للبيع.. للجادين فقط»، كما لا أتخيل أبدا أنني سأقرأ يوما في صحفنا إعلانا يقول: «للبيع قنبلة جرثومية استعمال خفيف.. والتسجيل على البائع»، طبعا لا أتخيل ولا أي أحد آخر في الكويت يعتقد يوما أنه سيرى مثل هذه الإعلانات في أي من صحفنا، ولكن وزارة التجارة التي صحت بعد نوم استغرق 20 عاما أصدرت قرارا غريبا جدا لحظر نشر إعلانات بيع أسلحة الدمار الشامل في الصحف الكويتية.
****
لسنوات ونحن نكتب ونحذر من إعلانات الدروس الخصوصية وإعلانات بيع المستحضرات الطبية القاتلة، واذكر أنني في العام 1996 أجريت تحقيقا حول إعلانات الدروس الخصوصية من واقع بحث ميداني أثبت فيه ان اغلب من يعلن عن الدروس الخصوصية في الصحف الإعلانية هم من غير المتخصصين وأحدهم كان سباكا وآخر كان بائع زهور وثالث كان عامل توصيل طلبات مطعم، وكتب العشرات غيري من الزملاء محذرين من تنامي ظاهرة الاجتراء على القوانين بإعلانات الدروس الخصوصية، ولكن التجارة نامت وأهملت عملها وتنامت ظاهرة الإعلانات غير المرخصة، وأخيرا صحت وزارة التجارة وقررت منع إعلانات الدروس الخصوصية وإعلانات «بيع القنابل النووية» في قرارها الصادر بداية الأسبوع الجاري.
****
مع إعلان وزارة التجارة حظر نشر إعلانات بيع أسلحة الدمار الشامل، هل كانوا يتصورون ان شخصا ما في المستقبل سيضع في الصحف إعلانا نصه مثلا: «للبيع قنبلة نووية.. استعمال سيدة»؟!
****
مشكلة انتشار الفساد في البلد انها جعلت كل مشروع اقتصادي لابد ان يقع تحت طائلة الشك الشعبي، ويكفي الفساد الذي أصاب عصب 4 مشاريع تنموية عملاقة وتكلفت المليارات لجعل الشعب يلقي بظلال شكه على كل مشروع حكومي حتى ولو كان سليما ومقاوله نظيف وأساسه سليم وتكلفته حقيقية وينفذ في موعده المقرر بل وقبل موعده، فأصبح كل مشروع يتكلف فوق الـ 100 مليون دينار مشكوكا بأمره، فأثر الفساد لا ينحصر في السرقة فقط، بل يؤثر على كل المشاريع المليونية القانونية الأخرى التي قام عليها تجار يراعون الله في أعمالهم، أي أن أثر الفساد ليس في ضياع الأموال بل أيضا يمتد ليضرب تجارا شرفاء في مقتل، فيؤخذ التاجر الشريف بجريرة التاجر الحرامي، فكل المشاريع في نظر الشعب وبسبب الفساد هي سرقة من المال العام ما لم يثبت العكس.
****
«التجارة» في النهاية مهنة، فكما أن «هناك طبيبا فاسدا هناك عشرات الأطباء الشرفاء»، وكما ان هناك موظفا حكوميا فاسدا هناك عشرات غيره شرفاء، وكما ان هناك ضابطا متجاوزا للقانون هناك عشرات غيره يراعون الله في عملهم، كذلك التجار كما انه لدينا 3 او 5 تجار مشكوك بأمرهم وأمر مشاريعهم لدينا عشرات التجار الذين عملوا وفق أخلاقيات مهنة التجارة وحافظوا على سمعتهم، ولكن فساد المشاريع الحكومية وأمام نظرة الشعب أخذ التاجر الشريف بجريرة التاجر الفاسد، فأصبح بالتالي اي مشروع مليوني لدينا عرضة للاشتباه.
****
الحكومة بعدم محاسبتها لبعض تجار المشاريع المليونية المتجاوزة، ارتكبت من حيث لا تعلم مذبحة بحق التجار الشرفاء، والذين فضل بعضهم عدم المغامرة بمشاريع في الكويت خشية منه على سمعته، وفضل بدلا من ذلك ان يعمل مشاريعه في بلدان خليجية وعربية، هربا من سمعة باطلة قد تلحق به وباسمه.
****
توضيح الواضح: فرض الأمن الحقيقي يكون بتطبيق القانون كاملا غير منقوص على الجميع، وليس ضرب خلق الله… واضح؟!